أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم، بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك، ولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين، وإن كان الإقرار بالشهادتين واجبا باتفاق المسلمين، ووجوبه يسبق وجوب الصلاة، لكن هو أدى هذا الواجب قبل ذلك.
وهنا مسائل تكلم فيها الفقهاء: كمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين، أو أتى [بغير ذلك من خصائص الإسلام، ولم يتكلم بهما، هل يصير مسلما أم لا؟ والصحيح أنه يصير مسلما بكل ما هو من خصائص الإسلام، "فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا"، كما قال النبي ﷺ:"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"(١)]. وهو أول واجب وآخر واجب.
فالتوحيد أول الأمر وآخره، أعني: توحيد الإلهية، فإن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع:
أحدها: الكلام في الصفات (٢). والثاني: توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء. والثالث: توحيد الإلهية، وهو استحقاقه ﷾ أن يعبد وحده لا شريك له.
أما الأول: فإن نفات الصفات أدخلوا نفي الصفات [في] مسمى التوحيد، كجهم بن صفوان (٣) ومن وافقه، فإنهم قالوا: إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب، وهذا القول معلوم الفساد بالضرورة، فإن إثبات ذات مجردة عن جميع الصفات لا يتصور لها وجود في الخارج، وإنما الذهن قد يفرض المحال ويتخيله وهذا غاية التعطيل، وهذا القول قد أفضى بقوم إلى القول بالحلول والاتحاد، وهو
(١) حديث حسن أو صحيح. رواه الحاكم وغيره، وقد خرجته في "إرواء الغليل" "رقم ٦٨٧". (٢) قال عفيفي: انظر ص ١٤٠ ج ١ من "موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول". (٣) هو أبو محرز جهم بن صفوان السمرقندي الضال المبتدع.