الله، فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي ﷺ ولا عن غيره من المرسلين، إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل، كما أن لازم الحق حق.
وقوله: بين الغلو والتقصير، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة:(٨٧)، ٨٨]. وفي "الصحيحين" عن عائشة ﵂: أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج رسول الله ﷺ عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال:"ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؟! لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"(١). وفي غير "الصحيحين": سألوا عن عبادته في السر، فكأنهم تقالوها (٢). وذكر في سبب نزول الآية الكريمة عن ابن جريج، عن عكرمة: أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالم مولى أبي حذيفة، ﵃ في أصحابه، تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]، يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الاختصاء، فلما نزلت فيهم، بعث النبي ﷺ إليهم، فقال: "إن لأنفسكم
(١) صحيح، ولكنه عندهما من حديث أنس، وليس من حديث عائشة، وإنما لها عندهما حديث آخر بغير هذا السياق، وفيه قوله ﷺ: "ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه، فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية" وليس فيه "فمن رغب … ". (٢) قلت: بل هو عند البخاري في أول "النكاح" في القصة التي قبلها، دون قوله "في السر" وهذا عند أحمد ٣/ ٢٥٩".