ومنه ما لا يظهر إلا للناقد الحاذق البصير (١). وكفر ابن عربي وأمثاله فوق كفر القائلين: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. ولكن ابن عربي وأمثاله منافقون زنادقة، اتحادية في الدرك الأسفل من النار، والمنافقون يعاملون معاملة المسلمين، لإظهارهم الإسلام، كما كان يظهره المنافقون في حياة النبي ﷺ ويبطنون الكفر، وهو يعاملهم معاملة المسلمين لما يظهر منهم، فلو أنه ظهر من أحد منهم ما يبطنه من الكفر، لأجرى عليه حكم المرتد. ولكن في قبول توبته خلاف، والصحيح عدم قبولها، وهي رواية معلى عن أبي حنيفة ﵁. والله المستعان.
قوله:"ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم".
ش: فالمعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة، و"كذلك الكرامة" في عرف أئمة أهل العلم المتقدمين. ولكن كثيرا من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما، فيجعلون المعجزة للنبي، والكرامة للولي، وجماعها: الأمر الخارق للعادة، فصفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى. وهذه الثلاثة لا تصلح على الكمال إلا لله وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علما، وهو على كل شيء قدير، وهو غني عن العالمين؛ ولهذا أمر النبي ﷺ أن يتبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]. وكذلك قال نوح ﵇، فهذا أول أولي العزم، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وهذا خاتم الرسل، وخاتم أولي العزم، وكلاهما تبرأ من ذلك، وهذا لأنهم يطالبونهم تارة بعلم الغيب، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢]، وتارة بالتأثير، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات، وتارة يعيبون عليهم الحاجة البشرية، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] الآية. فأمر الرسول أن
(١) قال عفيفي: انظر الرد على ابن عربي فيما نقل هنا عنه في ص ٢٠٤ وما بعدها ج ٢ من "مجموع الفتاوى" لابن تيمية.