والشر ليس إليك" (١)، وكذا في حديث الشفاعة يوم القيامة، حين يقول الله له: يا محمد، فيقول: "لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك" (٢)، وقد أخبر الله تعالى أن تسليط الشيطان إنما هو على الذين يتولونه والذين هم به مشركون، فلما تولوه دون الله وأشركوا به معه، عوقبوا على ذلك بتسليطه عليهم، وكانت هذه الولاية والإشراك عقوبة خلو القلب وفراغه من الإخلاص، فإلهام البر والتقوى ثمرة هذا الإخلاص ونتيجته، وإلهام الفجور عقوبة على خلوه من الإخلاص.
فإن قلت: إن كان هذا الترك أمرا وجوديا عاد السؤال جذعا (٣)، وإن كان أمرا عدميا فكيف يعاقب على العدم المحض؟ قيل: ليس هنا ترك هو كف النفس ومنعها عما تريده وتحبه، فهذا قد يقال: إنه أمر وجودي، وإنما هنا عدم وخلو من أسباب الخير، وهذا العدم هو محض خلوها مما هو أنفع شيء لها، والعقوبة على الأمر العدمي هي بفعل السيئات، لا بالعقوبات التي تناله بعد إقامة الحجة عليه بالرسل. فلله فيه عقوبتان: إحداهما: جعله مذنبا خاطئا، وهذه عقوبة عدم إخلاصه وإنابته وإقباله على الله، وهذه العقوبة قد لا يحس بألمها ومضرتها، لموافقتها شهوته وإرادته، وهي في الحقيقة من أعظم العقوبات، والثانية: العقوبات المؤلمة بعد فعله للسيئات، وقد قرن الله تعالى بين هاتين العقوبتين في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤].
(١) صحيح وهو طرف من حديث علي في دعاء الاستفتاح، وهو مخرج في "صفة الصلاة" "ص ٧٣" الطبعة الحادية عشر، طبع المكتب الإسلامي. (٢) رواه البزار عن حذيفة موقوفا ورجاله رجال الصحيح، والطبراني في "الأوسط" عنه مرفوعا، وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات، كذا في "المجمع" "١٠/ ٣٧٧"، وقلت ومن طريق "الليث" أخرجه الحاكم أيضا "٤/ ٥٧٤"، وقال: "وقد استشهد بليث بن [أبي] سليم". (٣) قال عفيفي: انظر ص ٣٢٩ من "مختصر الموصلي للصواعق المرسلة" لابن القيم ط مكة، وص ٣٣١ ج ١٤ من "مجموع الفتاوى".