للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ليس فيه شيء باق، فصار ما ذكروه في المعاد مما قوى شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان.

والقول الذي عليه السلف وجمهور العقلاء: إن الأجسام تنقلب (١) من حال إلى حال، فتستحيل ترابا، ثم ينشئها الله نشأة أخرى، كما استحال في النشأة الأولى: فإنه كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة، ثم صار عظاما ولحما، ثم أنشأه خلقا سويا. كذلك الإعادة: يعيده الله بعد أن يبلى كله إلا عجب (٢) الذنب، كما ثبت في الصحيح عن النبي ، أنه قال: "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ابن آدم، ومنه يركب" (٣). وفي حديث آخر: "إن السماء (٤) تمطر مطرا كمني الرجال، ينبتون في القبور كما ينبت النبات" (٥).

فالنشأتان نوعان تحت جنس (٦)، يتفقان ويتماثلان من وجه، ويفترقان ويتنوعان من وجه، والمعاد هو الأول بعينه، وإن كان بين لوازم الإعادة ولوازم البداءة فرق، فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره فيستحيل، فيعاد من المادة التي استحال


(١) في الأصل: تنقلب.
(٢) "العجب"، بفتح المهملة وسكون الجيم بعدها موحدة: عظم لطيف في أصل الصلب، وهو رأس العصعص، وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع. قاله الحافظ في "الفتح".
(٣) البخاري ومسلم وأحمد واللفظ له في بعض رواياته "٢/ ٤٢٨" وزاد: "ويأكله التراب" وسنده جيد.
(٤) في الأصل: الأرض.
(٥) ضعيف، أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" "١/ ٤٦/ ١ - ٢" في حديث طويل عن أبي الزعراء قال ذكروا عند عبد الله الدجال، فقال: فذكره بطوله موقوفا، وله حكم المرفوع لكنه منقطع بين أبي الزعراء واسمه يحيى بن الوليد، لم يرو عن أحد من الصحابة، بل عن بعض التابعين، ثم إن في الحديث فقرة لم تذكر هنا مخالفة لحديث صحيح فيه على الهيثمي "١٠/ ٣٣٠"، وقد أخرجه الحاكم ٤/ ٦٠٠" وصححه على شرطهما ورده الذهبي بأنهما ما احتجا بأبي الزعراء، وفاته أنه منقطع كما بينا.
(٦) قال عفيفي: انظر "مختصر الصواعق المرسلة" ١٠٧ - ١٠٨ ج ١.

<<  <   >  >>