للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عباس : "أن النبي مر بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة رطبة، فشقها نصفين، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" (١). وفي صحيح أبي حاتم عن أبي هريرة، قال: قال النبي : "إذا قبر أحدكم، أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير" (٢)، وذكر الحديث … إلخ.

وقد تواترت الأخبار عن رسول الله في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا تتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذا الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول. فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا، فالروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق، متغايرة الأحكام: أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنينًا. الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض، الثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلق من وجه، ومفارقة من وجه، الرابع: تعلقها به في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقا كليًّا بحيث لا يبقى لها إليه التفات البتة، فإنه ورد ردها إليه وقت سلام المسلم، وورد أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة، الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع تعلقها البدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتًا ولا نومًا ولا فسادًا، فالنوم أخو الموت، فتأمل هذا يزح عنك إشكالات كثيرة.


(١) متفق عليه "صحيح ابن داود" "١٥".
(٢) حسن، أخرجه الترمذي أيضا "١/ ١١٩" وقال: "حديث حسن غريب"، قلت: وإسناده حسن، وفيه رد على من أنكر من المعاصرين تسمية الملكين بـ: "المنكر" و"النكير"، وهو مخرج في "الصحيحة" "١٣٩١".

<<  <   >  >>