للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقال أيضا : البذاذة من الإيمان (١). فإذا كان الإيمان أصلا له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى: إيمانا، فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة والصوم والحج، والأعمال الباطنة، كالحياء والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه، حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، فإنه من شعب الايمان. وهذه الشعب، منها ما يزول الإيمان بزوالها [إجماعا]، كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعا، كترك إماطة الأذى على الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما، منها ما يقرب من شعبة الشهادة، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى، وكما أن شعب الإيمان إيمان، فكذا شعب الكفر كفر، فالحكم بما أنزل الله مثلا من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله كفر، وقد قال : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (٢). رواه مسلم. وفي لفظ: "ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"، وروى الترمذي عن رسول الله أنه قال: "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله: فقد استكمل الإيمان" (٣). ومعناه -والله أعلم- أن الحب والبغض أصل حركة القلب، وبذل المال ومنعه هو كمال ذلك، فإن المال آخر المتعلقات بالنفس، والبدن متوسط بين القلب والمال، فمن كان أول أمره وآخره كله لله، كان الله إلهه في كل شيء، فلم يكن فيه شيء من الشرك، وهو إرادة غير الله وقصده ورجاؤه، فيكون مستكملا الإيمان، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على قوة الإيمان وضعفه بحسب العمل.

وسيأتي في كلام الشيخ في شأن الصحابة : وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. فسمى حب الصحابة إيمانا، وبغضهم كفرا.


(١) حسن. رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم وأحمد والطبراني، وهو مخرج في "الصحيحة" "٣٤١". والمراد "البذاذة" التواضع في اللباس، وترك التبجح به.
(٢) مسلم باللفظين، وهو مخرج في "تخريج مشكلة الفقر" "٦٦" و"صحيح أبي داود" "١٠٣٤".
(٣) صحيح. وهو مخرج في "تخريج المشكاة" "٣٠ - ٣١" و"الصحيحة" "٣٨٠".

<<  <   >  >>