للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

شرعة وقدرته (١) وثوابه وكرامته. ولو أن رجلا له أرض يؤمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه، فأهملها ولم يحرثها ولم يبذرها، ورجا أنه يأتي من مغلها مثل ما يأتي من حرث وزرع وتعاهد الأرض، لعده الناس من أسفه السفهاء! وكذا لو رجا وحسن ظنه أن يجيئه ولد من غير جماع! أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب العلم وحرص تام! وأمثال ذلك، فكذلك من حسن ظنه وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلي والنعيم المقيم، من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ومما ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئا استلزم رجاؤه أمورا: أحدها: محبة ما يرجوه. الثاني: خوفه من فواته. الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان. وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك، فهو من باب الأماني، والرجاء شيء والأماني شيء آخر، فكل راج خائف، والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير، مخافة الفوات. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: (٤٨)، ١١٦]. فالمشرك لا ترجى له المغفرة، لأن الله نفى عنه المغفرة، وما سواه من الذنوب في مشيئة الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه. وفي معجم الطبراني: الدواوين عند الله يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفر الله منه شيئا، وهو الشرك بالله، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: (٤٨)، ١١٦]. وديوان لا يترك الله منه شيئا، مظالم العباد بعضهم بعضا. وديوان لا يعبأ الله به، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه (٢).

وقد اختلفت عبارات العلماء في الفرق بين الكبائر والصغائر، وستأتي الإشارة إلى ذلك عند قول الشيخ : وأهل الكبائر من أمة محمد في النار لا يخلدون. ولكن ثم أمر ينبغي التفطن له، وهو: أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقرن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، وهذا أمر مرجعه إلى ما


(١) في الأصل: وقدره.
(٢) ضعيف، ولم يروه الطبراني بل أحمد "٦/ ٢٤٠"، والحاكم "٤/ ٥٧٥ - ٢٧٦" وقال: "صحيح الإسناد"! ورده الذهبي بقوله: "قلت: صدقة ضعفوه، وابن بابنوس فيه جهالة".

<<  <   >  >>