للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك [ال له] الجنة فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما؟ أو كنت على ما في يديّ قادرا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار. قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده، لتكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته" (١). وهو حديث حسن؛ ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهدا مخطئا مغفورا له، [ويمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص]، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله، كما غفر للذي قال: إذا مت فاسحقوني ثم اذروني، ثم غفر الله له لخشيته (٢)، وكان يظن أن الله لا يقدر على جمعه وإعادته، أو شك في ذلك، لكن هذا التوقف في أمر الآخرة لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا، لمنع بدعته، وأن نستتيبه، فإن تاب وإلا قتلناه، ثم إذا كان القول في نفسه كفرا قيل: إنه كفر والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع، ولا يكون ذلك إلا [إذا] صار منافقا زنديقا، فلا يتصور أن يكفر أحد من أهل القبلة المظهرين الإسلام إلا من يكون منافقا زنديقا، وكتاب الله يبين ذلك، فإن الله صنف الخلق فيه ثلاثة أصناف: صنف كفار من المشركين ومن أهل الكتاب، وهم الذين لا يقرون بالشهادتين، وصنف المؤمنون باطنا وظاهرا. وصنف أقروا به ظاهرا لا باطنا، وهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة، وكل من ثبت أنه كافر في نفس الأمر وكان مقرا بالشهادتين، فإنه لا يكون إلا زنديقا، والزنديق هو المنافق.

وهنا يظهر غلط الطرفين، فإنه من كفر كل من قال القول المبتدع في الباطن، يلزمه أن يكفر أقواما ليسوا في الباطن منافقين، بل هم في الباطن يحبون الله ورسوله ويؤمنون بالله ورسوله وإن كانوا مذنبين، كما ثبت في صحيح البخاري، عن أسلم مولى عمر []، عن عمر: أن رجلا كان على عهد النبي كان اسمه: عبد الله، وكان يلقب: حمارا، وكان يضحك رسول الله ، وكان


(١) حسن كما قال المؤلف رحمه الله تعالى، وفيه عكرمة بن عمار، احتج به مسلم، وفيه ضعف.
(٢) صحيح أخرجه البخاري وغيره.

<<  <   >  >>