فَإِنَّ جَمِيعَ النَّجَاسَاتِ إنَّمَا نَجُسَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ؛ كَالدَّمِ فَإِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ عَنِ الْغِذَاءِ الطَّاهِرِ، وَكَذَلِكَ الْبَوْلُ وَالْعَذِرَةُ حَتَّى الْحَيَوَانُ النَّجِسُ مُسْتَحِيلٌ عَنِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الطَّاهِرَاتِ.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَبَّرَ عَن ذَلِكَ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ طَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ، فَإِنَّ نَفْسَ النَّجِسِ لَمْ يَطْهُرْ (١)، لَكِنِ اسْتَحَالَ، وَهَذَا الطَّاهِرُ لَيْسَ هُوَ ذَلِكَ النَّجِسَ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا مِنْهُ وَالْمَادَّةُ وَاحِدَةٌ، كَمَا أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ هُوَ الزَّرْعَ وَالْهَوَاءَ وَالْحَبَّ، وَتُرَابُ الْمَقْبَرَةِ لَيْسَ هُوَ الْمَيِّتَ، وَالْإِنْسَانُ لَيْسَ هُوَ الْمَنِيَّ.
وَعَلَى هَذَا فَدُخَانُ النَّارِ الْمُوقَدَةِ بِالنَّجَاسَةِ طَاهِرٌ، وَبُخَارُ الْمَاءِ النَّجِسِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِي السَّقْفِ طَاهِرٌ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ. [٢١/ ٦١٠ - ٦١١]
٢٣٩٠ - الْقَوْلُ الرَّاجِحُ: طَهَارَةُ الشُّعُورِ كُلِّهَا: شَعْرُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهمَا، بِخِلَافِ الرِّيقِ.
وَعَلَى هَذَا: فَإِذَا كَانَ شعْرُ الْكَلْب رَطْبًا وَأَصَابَ ثَوْبَ الْإِنْسَانِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ، فَلَا يَجُوزُ تَنْجِيسُ شَيْءٍ وَلَا تَحْرِيمُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَالنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ" (٢).
فَأَحَادِيثُهُ كُلُّهَا لَيْسَ فِيهَا إلَّا ذِكْرُ الْوُلُوغِ، لَمْ يَذْكُرْ سَائِرَ الْأَجْزَاءِ، فَتَنْجِيسُهَا إنَّمَا هُوَ بِالْقِيَاسِ.
وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُهُم يَقُولُونَ: إنَّ الزَّرْعَ النَّابِتَ فِي الْأَرْضِ النَّجِسَةِ طَاهِرٌ، فَغَايَةُ شَعْرِ الْكَلْبِ أَنْ يَكُونَ نَابِتًا فِي مَنْبَتٍ نَجِسٍ كَالزَّرْعِ النَّابِتِ فِي الْأَرْضِ النَّجِسَةِ، فَإِذَا كَانَ الزَّرْعُ طَاهِرًا فَالشَّعْرُ أَوْلَى بِالطَّهَارَةِ.
(١) هذه معلومة دقيقة مهمة.(٢) البخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩).
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute