قال ابن العربي (١): فَهَذَا رَجُلٌ عَاهَدَ اللهَ، فَوَجَدَ الْوَفَاءَ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، فَبِهِ فَاقْتَدُوا تَهْتَدُوا. أ. هـ.
قال أبو نعيم (٢): في أواخر "الحلية" أبو حمزة محمد بن إبراهيم البغدادي كان مولى عيسى بن أبان القاضي وعرفت له آيات وكرامات. انتهى قاله في الديباجة.
قوله: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه النفر من ثلاثة إلى تسعة تقدم الكلام على ذلك مبسوطا في أولى الكتاب فيه التمسك بالعموم لأنهم نهوا عن السؤال فحملوه على عمومه، فيه الحث على التنزه عن جميع ما يسمى سؤالا وإن كان حقيرًا، والله أعلم (٣).
(١) وقد أنكر ابن الجوزي فعل هذا الرجل وبين خطأه وأن التوكل لا ينافي الاستغاثة في تلك الحال فقال: سُكُوتُ هَذَا الرَّجُل فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى التَّوَكُّلِ بِزَعْمِهِ إِعَانَةً عَلَى نَفْسِهِ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ، وَلَوْ فَهِمَ مَعْنَى التَّوَكُّلِ لَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يُنَافِي اسْتِغَاثَتَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، كَمَا لَمْ يَخْرُجُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من التَّوَكُّلِ بِإِخْفَائِهِ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ، وَاسْتِئْجَارِهِ دَلِيلًا، وَاسْتِكْتَامِهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَاسْتِتَارِهِ فِي الْغَارِ، وَقَوْلِهِ لِسُرَاقَةَ: اخْفِ عَنَّا. فَالتَّوَكُّلُ الْمَمْدُوحُ لَا يُنَالُ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ، وَسُكُوتُ هَذَا الْوَاقِعِ فِي الْبِئْرِ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ خَلَقَ لِلآدَمِيِّ آلَةً يَدْفَعُ عَنْهُ بِهَا الضَّرَرَ، وَآلَةٌ يَجْتَلِبُ بِهَا النَّفْعَ، فَإِذَا عَطَّلَهَا مُدَّعِيًا لِلتَّوَكُّلِ كَانَ ذَلِكَ جَهْلًا بِالتَّوَكُّلِ، وَرَدًّا لِحِكْمَةِ التَّوَاضُعِ، لِأَنَّ التَّوَكُّلَ إِنَّمَا هُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتهِ قَطْعَ الْأَسْبَابِ، وَلَوْ أَنَّ إِنْسَانًا جَاعَ فَلَمْ يَسْأَلْ حَتَّى مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، قَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ دُلَّ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَامَةِ، فَإِذَا تَقَاعَدَ عَنْهَا أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ. انظر تفسير القرطبي (٩/ ٣٠٨). (٢) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (١٠/ ٣٢٠). (٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٢).