لِأَنَّ وَصْفَهُ إيَّاهَا بِالطَّلَاقِ لَا يَخْتَصُّ بِثَوْبٍ دُونَ ثَوْبٍ، فَإِنْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ إذَا لَبِسَتْ ذَلِكَ الثَّوْبَ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذِكْرَ الثَّوْبِ كِنَايَةً عَنْ فِعْلِ اللُّبْسِ فِيهِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْمَجَازِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فِي الدَّارِ أَوْ فِي الْبَيْتِ أَوْ فِي الظِّلِّ أَوْ فِي الشَّمْسِ، وَإِنْ قَالَ: فِي ذَهَابِك إلَى مَكَّةَ أَوْ فِي دُخُولِ الدَّارِ أَوْ فِي لُبْسِك ثَوْبَ كَذَا لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَرْفَ " فِي " لِلظَّرْفِ، وَالْفِعْلُ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ عَلَى أَنْ يَكُونَ شَاغِلًا لَهُ فَيُحْمَلُ عَلَى مَعْنَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْمَظْرُوفَ يَسْبِقُ الظَّرْفَ كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ يَسْبِقُ الْجَزَاءَ وَيَجْعَلُ حَرْفَ " فِي " بِمَعْنَى مَعَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} [الفجر: ٢٩] أَيْ مَعَ عِبَادِي وَيُقَالُ: دَخَلَ الْأَمِيرُ الْبَلْدَةَ فِي جُنْدِهِ أَيْ مَعَهُمْ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ دُخُولِك الدَّارَ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَدْخُلَ فَهَذَا مِثْلُهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: فِي الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَعَ الدَّارِ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهُ قَرَنَ الطَّلَاقَ بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ تُصَلِّينَ طَلُقَتْ لِلْحَالِ: لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَأَنْتِ تُصَلِّينَ ابْتِدَاءٌ فَإِنْ قَالَ: عَنَيْتُ إذَا صَلَّيْتُ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يُعْطَفُ عَلَى الْجَزَاءِ، وَيُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُذْكَرُ بِمَعْنَى الْحَالِ تَقُولُ: دَخَلْتُ الدَّارَ عَلَى فُلَانٍ، وَهُوَ يَفْعَلُ كَذَا أَيْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَيَكُونُ مَعْنَى هَذَا أَنْتِ طَالِقٌ فِي حَالِ اشْتِغَالِك بِالصَّلَاةِ فَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِاحْتِمَالِ لَفْظِهِ مَا نَوَى، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مُصَلِّيَةً فِي الْقَضَاءِ تَطْلُقُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ قَالَ: عَنَيْت إذَا صَلَّيْتِ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الْحَالِ.
وَأَهْلُ النَّحْوِ يَقُولُونَ إنْ قَالَ: مُصَلِّيَةٌ بِالرَّفْعِ لَا يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ قَالَ: مُصَلِّيَةً بِالنَّصْبِ حِينَئِذٍ يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ أَيْضًا وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عِنْدَ أَهْلِ النَّحْوِ وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي مَرَضِك أَوْ فِي وَجَعِك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَكُونَ مِنْهَا ذَلِكَ الْفِعْلُ إمَّا؛ لِأَنَّ حَرْفَ " فِي " بِمَعْنَى مَعَ أَوْ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ وَالْوَجَعَ لَمَّا لَمْ يَصْلُحْ ظَرْفًا حُمِلَ عَلَى مَعْنَى الشَّرْطِ مَجَازًا لِتَصْحِيحِ كَلَامِ الْعَاقِلِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ فُلَانٍ بِشَهْرٍ فَقَدِمَ فُلَانٌ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى وَقْتٍ مُنْتَظَرٍ وَهُوَ أَوَّلُ شَهْرٍ يَتَّصِلُ بِآخِرِهِ قُدُومُ فُلَانٍ فَيُرَاعَى وُجُودُ هَذَا الْوَقْتِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِ فُلَانٍ بِشَهْرٍ فَمَاتَ فُلَانٌ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ، لَمْ تَطْلُقْ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهَا فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ رَمَضَانَ بِشَهْرٍ تَطْلُقُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى وَقْتٍ قَدْ تَيَقَّنَ مُضِيُّهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَنْجِيزًا مِنْهُ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ.
فَأَمَّا إذَا قَدِمَ فُلَانٌ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.