وَإِذَا تَوَضَّأَ الْأَخْرَسُ وَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَوَى الْإِحْرَامَ بِقَلْبِهِ وَحَرَّكَ لِسَانَهُ كَانَ مُحْرِمًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فَوْقَ ذَلِكَ كَمَا إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ مَعَ النِّيَّةِ يَصِحُّ شُرُوعُهُ. وَالْمَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ فِي التَّلْبِيَةِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ صَوْتَهَا فِتْنَةٌ وَاذَا لَمْ يُلَبِّ الْقَارِنُ وَالْمُفْرِدُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَدْ أَسَاءَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْإِحْرَامِ بِالتَّلْبِيَةِ كَمَا أَنَّ صِحَّةَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ، وَلَوْ لَمْ يَأْتِ الْمُصَلِّي إلَّا بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَكَانَ مُسِيئًا، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَأْتِ الْمُحْرِمُ بِالتَّلْبِيَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا هُوَ الْوَاجِبُ وَتَرَكَ الْمَسْنُونَ فَيَكُونُ مُسِيئًا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ
[بَابُ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ]
(بَابُ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ) (قَالَ): - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَجُلٌ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ، وَهُوَ فِي الْحِلِّ فَأَصَابَهُ فِي الْحَرَمِ كَانَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا أَعْلَمُ، وَمَعْنَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ ذَهَابَ السَّهْمِ حَتَّى وَصَلَ إلَى الصَّيْدِ كَانَ بِقُوَّةِ الرَّامِي، وَهُوَ مُبَاشِرٌ لِذَلِكَ الْفِعْلِ حَتَّى يَسْتَوْجِبَ الْقِصَاصَ بِهِ إذَا رَمَى إلَى مُسْلِمٍ عَمْدًا فَقَتَلَهُ، وَإِنَّمَا أَصَابَهُ بَعْدَ مَا صَارَ صَيْدَ الْحَرَمِ فَكَانَ هُوَ قَاتِلًا صَيْدَ الْحَرَمِ بِفِعْلِهِ فَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَطَرَدَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ حَتَّى قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ حَيْثُ لَا يَضْمَنُ قَالَ: لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ طَرْدَ الْكَلْبِ الصَّيْدَ فِعْلٌ أَحْدَثَهُ الْكَلْبُ فَلَا يَصِيرُ الْمُرْسَلُ بِهِ جَانِيًا عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ. وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ أَنَّ الرَّامِيَ مُبَاشِرٌ لِمَا يُصِيبُهُ سَهْمُهُ وَفِي مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْجَزَاءِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ رَمَى سَهْمًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَأَصَابَ مَالًا أَوْ نَفْسًا كَانَ ضَامِنًا لَهُ فَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ هُنَا أَنَّهُ فِي أَصْلِ الرَّمْيِ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ عِنْدَ مُبَاشَرَتِهِ، فَأَمَّا مُرْسِلُ الْكَلْبِ مُتَسَبِّبٌ لِإِتْلَافِ مَا يَأْخُذُهُ الْكَلْبُ لَا مُبَاشِرَ حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ الْقِصَاصُ بِحَالٍ، وَالْمُتَسَبِّبُ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي تَسَبُّبِهِ كَانَ ضَامِنًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا لَا يَكُونُ ضَامِنًا كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وَهُنَا هُوَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ
(قَالَ): وَإِنْ زَجَرَ الْكَلْبَ بَعْدَ مَا دَخَلَ فِي الْحَرَمِ فَانْزَجَرَ وَأَخَذَ الصَّيْدَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَاسْتِحْسَانًا، وَفِي
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.