اللَّحْمِيَّةِ فَلَا يُوجِبُ فِيهِ الْجَزَاءَ.
[أَصَابَ الْحَلَالُ صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَذَبَحَهُ]
(قَالَ) وَإِذَا أَصَابَ الْحَلَالُ صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَذَبَحَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْكُلَ الْمُحْرِمُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَكْرَهُ ذَلِكَ حَتَّى رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَعَاهُ إلَى الطَّعَامِ، وَكَانَ مُحْرِمًا فَرَأَى الْيَعَاقِيبَ فِي الْقَصْعَةِ فَقَامَ فَقِيلَ لِعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّمَا قَامَ كَرَاهَةً لِطَعَامِك فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ مَا كَرِهْت طَعَامَهُ، وَلَكِنْ كُنْت مُحْرِمًا فَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِهِ اسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ فَرَدَّهُ فَرَأَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بِنَا رَدٌّ لِهَدِيَّتِك، وَلَكِنَّا حُرُمٌ».
(وَلَنَا) فِي ذَلِكَ حَدِيثُ طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «تَذَاكَرْنَا لَحْمَ الصَّيْدِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَائِمٌ فِي حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إلَيْنَا فَقَالَ فِيمَ كُنْتُمْ؟ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا بَأْسَ بِهِ»، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِالرَّوْحَاءِ مَعَ أَصْحَابِهِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، وَهُمْ مُحْرِمُونَ فَرَأَى حِمَارَ وَحْشٍ عَقِيرًا وَبِهِ سَهْمٌ ثَابِتٌ فَأَرَادَ أَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَخْذَهُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعُوهُ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهُ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَهْزٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ رَمْيَتِي فَهِيَ لَك فَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَقْسِمَهَا بَيْنَ الرِّفَاقِ»، وَالْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهُ تَصْحِيفٌ وَقَعَ مِنْ الرَّاوِي، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أُهْدِيَ إلَيْهِ حِمَارُ وَحْشٍ، وَلَئِنْ صَحَّ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالرِّجْلِ الْقِطْعَةَ مِنْ اللَّحْمِ بَلْ هُوَ الْعَدَدُ مِنْ حِمَارِ الْوَحْشِ كَمَا يُقَالُ رِجْلُ جَرَادٍ لِلْجَمَاعَةِ مِنْهُ، وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ إنْ اصْطَادَ الْحَلَالُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْمُحْرِمِينَ صَيْدُ الْبَرِّ حَلَالٌ لَكُمْ إلَّا مَا اصْطَدْتُمُوهُ أَوْ صِيدَ لَكُمْ»، وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذِهِ اللَّامُ لَامُ التَّمْلِيكِ فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمُحْرِمِ صَيْدًا، وَسَوَاءٌ اصْطَادَ الْحَلَالُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمُحْرِمٍ فَهُوَ لَمْ يَصِرْ مَمْلُوكًا لِلْمُحْرِمِ صَيْدًا، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَمْلُوكًا لِلْمُحْرِمِ حِينَ يُهْدِيهِ إلَيْهِ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَهُوَ عِنْدَ ذَلِكَ لَحْمٌ لَا صَيْدَ فِيهِ فَلِهَذَا حَلَّ تَنَاوُلُهُ.
(قَالَ) مُحْرِمٌ كَسَرَ بَيْضَ صَيْدٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَالْمَعْنَى فِيهِ، وَهُوَ أَنَّ الْبَيْضَ أَصْلُ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ مُعَدٌّ لِيَكُونَ صَيْدًا مَا لَمْ يَفْسُدْ فَيُعْطَى لَهُ حُكْمُ الصَّيْدِ فِي إيجَابِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِإِفْسَادِهِ كَمَا أَنَّ الْمَاءَ فِي الرَّحِمِ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ فِي حُكْمِ الْعِتْقِ وَالْوَصِيَّةِ، وَلِأَنَّهُ مُنِعَ حُدُوثُ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِيهِ فَيُجْعَلُ كَالْمُتْلَفِ بَعْدَ الْحُدُوثِ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْرُورِ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ مَنَعَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.