وحديثهم الذي احتجوا، وهو حديثُ ابنِ عمر - رضي الله عنه - قد اختلف فيه أئمة الحديث بحسب الصحة والضعف، وقد رُوي متصلًا ومرسلًا؛ فذهب ابن المبارك إلى ترجيح الرواية المرسلة على المتصلة، رواه التِّرْمذي، وغيره عنه (١)، وقال النسائي بعد تخريجه للرواية المتصلة:"هذا خطأ، والصواب: أنه مُرْسَلٌ (٢) "، وقال التِّرْمذي:"وأهل الحديث كلُّهم يَرَونَ أن الحديث المرسل في ذلك أصح (٣) ".
[٣٦ ب/س]
فإن قيل: روى التِّرْمذي، حدثنا: محمد بن المثنى، ثنا: محمد بن بكر، ثنا: يونس بن يزيد عن الزهريِّ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: "أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - /كان يمشي أمام الجنازة، وأبو بكر، وعمر، وعثمان - رضي الله عنهم - ".
فالجواب أنه قال التِّرْمذي:"سألتُ محمدًا عن هذا الحديث؛ فقال: هذا أخطأ فيه محمد بن بكر، وإنما يُرْوى هذا عن يونس عن الزهري أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر - رضي الله عنهم - كانوا يمشون أمام الجنازة (٤) "، فإذا صح الأمرُ على ذلك؛ فلا يبقى لهم حجة فيه؛ لأن المرسل ليس بحجة عندهم (٥).
وتأويلهم الاتباع بالأخذ في طريق الجنازة والسعي لأجلها، كما يقال: الجيش يتبع السلطان، أي: تتوخى موافقته، وإن تقدَّم كثيرٌ منهم في المشي والركوب، فصرف اللفظ عن ظاهره بلا داعٍ إليه، والله أعلم.
(١) سنن التِّرْمذي، (٣/ ٣٣٠). (٢) سنن النسائي، (٤/ ٥٦). (٣) سنن التِّرْمذي، (٣/ ٣٣٠). (٤) وسنن التِّرْمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في المشي خلف الجنازة (٣/ ٣٣٢) (١٠١٠). (٥) عمدة القاري (١٢/ ١٣٠).