هذا وقد قدَّم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - ولصواحبها اللَّبن، ملاطفة لها، فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا وَاسْتَحْيَتْ منه، ففي حديث أَسْمَاء بِنْت يَزِيدَ بْن السَّكَنِ، قالت:
وإِنِّي قَيَّنْتُ (زيَّنت) عَائِشَةَ لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ جِئْتُهُ، فَدَعَوْتُهُ لِجِلْوَتِهَا (٣)، فَجَاءَ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهَا، فَأُتِيَ بِعُسِّ لَبَنٍ، فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَها النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا وَاسْتَحْيَتْ. قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَانْتَهَرْتُها، وَقُلْتُ لَهَا: خُذِي مِنْ يَدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَتْ: فَأَخَذَتْ، فَشَرِبَتْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ لها النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أَعْطِي تِرْبَكِ"(٤).
وقد تغيَّر حال النّساء كثيراً في عهدنا عن عهد النُّبوَّة، وهذه عائشة - رضي الله عنها -، تقول:" لَوْ أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ المَسْجِدَ"(٥).
فإذا كان حال النّساء قد تغيَّر في حياة عائشة - رضي الله عنها - من لبس الزِّينة وحسن الثياب، فالحال بعد موت عائشة - رضي الله عنها - أبعد مِنْ ذلك!
(١) لعلّ علّة النّهي عن تهنئة الجاهليّة أنّها خلت من اسم الله تعالى. (٢) أحمد "المسند" (ج ٢/ص ٣٥٤/رقم ١٧٣٩) وإسناده صحيح. (٣) أي للنّظر إليها. (٤) أحمد "المسند" (ج ١٨/ص ٥٩٦/رقم ٢٧٤٦٣) وقال الألباني: أخرجه أحمد مطوّلاً ومختصراً بإسنادين يقوّي أحدهما الآخر "آداب الزّفاف" (ص ٧). (٥) مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ٢/ج ٤/ص ١٦٤) كتاب الصَّلاة.