يقول تعالى ذكره:(وَإِذَا يُتْلَى) هذا القرآن على الذين آتيناهم الكتاب من قيل نزول هذا القرآن (قَالُوا آمَنَّا بِهِ) يقول: يقولون: صدّقتا به (إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا) يعني من عند ربنا نزل، (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ أي نزول هذا القرآن (مُسْلِمِينَ) ، وذلك أنهم كانوا مؤمنين بما جاء به الأنبياء قبل مجيء نبينا محمد ﷺ وعليهم من الكتب، وفي كتبهم صفة محمد ونعته، فكانوا به وبمبعثه وبكتابه مصدّقين قبل نزول القرآن، فلذلك قالوا:(إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفت صفتهم (يُؤْتَوْنَ) ثواب عملهم (مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا) .
واختلف أهل التأويل في معنى الصبر الذي وعد الله ما وعد عليه، فقال بعضهم:
وعدهم ما وعد جلّ ثناؤه بصبرهم على الكتاب الأوّل، واتباعهم محمدا ﷺ، وصبرهم على ذلك. وذلك قول قَتادة، وقد ذكرناه قبل.
وقال آخرون: بل وعدهم بصبرهم بإيمانهم بمحمد ﷺ قبل أن يبعث، وباتباعهم إياه حين بعث، وذلك قول الضحاك بن مزاحم، وقد ذكرناه أيضا قبل، وممن وافق قَتادة على قوله: عبد الرحمن بن زيد.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب. قال: قال ابن زيد، في قوله:(إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) على دين عيسى، فلما جاء النبيّ ﷺ أسلموا، فكان لهم أجرهم مرَّتين بما صبروا أوّل مرّة، ودخلوا مع النبيّ ﷺ في الإسلام.
وقال قوم في ذلك بما حدثنا به ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: إن قوما كانوا مشركين أسلموا، فكان قومهم يؤذونهم، فنزلت:(أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا) وقوله: (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) يقول: ويدفعون بحسنات أفعالهم التي يفعلونها سيئاتهم (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) من الأموال (يُنْفِقٌونَ)