قلت: ولا شك أن في قوله «وعدتم من حيث بدأتم» دقة متناهية؛ إذ (حيث) ظرف مكان، قال سيبويه:
«وأما (حيث) ؛ فمكان، بمنزلة قولك: هو في المكان الذي فيه زيد» (٢) ، وهي مبنية «وعلّة بنائها احتياجها إلى جملة»(٣) ، و «إنما احتاجت إلى جملة من جهة أن وضعها لمكان منسوب إلى نسبة، وتلك النسبة لا تحصل إلا بالجملة»(٤) ، ونُسِبت في هذا الحديث إلى البدء، ففيه «حيث بدأتم» .
و (البدء) كان في المدينة، وكانوا في غُربة، وهذا ما وقع التصريح به في حديث جابر في رواية البيهقي في «الدلائل» ، فإنه لما ذكر:«يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم درهم ولا قفيز ... » ، قال في آخره ورفعه:«والذي نفسي بيده ليعودنّ الأمر كما بدأ، ليعودنّ كل إيمان إلى المدينة كما بدأ منها، حتى يكون كل إيمان بالمدينة»(٥) .
وظاهر أحاديث الغربة العموم، وأن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلّة، ثم سيلحقه النقص والإخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد من الناس وقلة -أيضاً-، كما بدأ وجاء (٦) .
وليس المراد ذهاب الإسلام بالكلية، قال الأوزاعي في معنى قوله صلى الله عليه وسلم:«بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ» : «أما إنه ما يذهب الإسلام، ولكن
(١) «شرح النووي على صحيح مسلم» (٢/١٧٧) . (٢) «الكتاب» (٤/٢٣٣) . (٣) «الإيضاح في شرح المفصل» (١/٥٠٩) . (٤) «الإيضاح في شرح المفصل» (١/٥٠٩) . (٥) مضى تخريجه (ص ٢٣٨) . (٦) أفاده النووي في «شرح صحيح مسلم» (٢/١٧٧) .