وإنَّما وَجٌّ بالطَّائِفِ. والمُرادُ بالوَطئَةِ: الوَقعَةُ، وهي: آخِرُ وَقعَةٍ أوقَعَهَا اللهُ بالمُشرِكين على يَدِ رسُولِه - عليه السلام -، ومنه قولُهُ - عليهم السلام -: «اللَّهُمَّ! اشدُد وَطأتَكَ على مُضَرَ».
وإلى هذا ذَهَبَ العُلماءُ، منهُم ابنُ قُتَيبَةَ (١).
وقال سُفيانُ بنُ عُيينَةَ في تفسير هذا:«آخِرُ غَزاةٍ غَزَاهَا رسُولُ الله - عليه السلام - الطَّائفُ»(٢).
وأين الطَّائِفُ من بيتِ المَقدِس؟!
ولو صَحَّ عن كعبٍ، احتَمَل أمرَين:
أحدهما: أن يكُونَ حكاهُ عن أهلِ الكِتابِ. وكثيرًا ما كان يَحكِي عَنهُم.
والثَّاني: أنَّ ذلك المكانَ آخِرُ ما استَوَى من الأَرضِ لمَّا خُلِقَت ثُمَّ عَرَجَ
(١) الأدقُّ أن يُقال: استحسنه ابنُ قُتيبةَ؛ ولم يرجِّحْهُ، حيثُ يقُولُ في «تأويل مُختلَف الحديثِ» (ص:٢١٣ - ط. دار الجيل): «ونحنُ نقُولُ إنَّ لهذا الحديثِ مَخرَجًا حسَنًا، قد ذهب إليه بعضُ أهل النَّظَر وبعضُ أهل الحديث، فقالُوا: إنَّ آخرَ ما أَوقَعَ اللهُ - عز وجل - بالمُشرِكين بالطَّائف، وكانت آخرُ غَزَاةٍ غزاها رسُولُ الله - عليه السلام - بوَجٍّ. ووَجٌّ: وادٍ قبل الطَّائف. وكان سفيانُ بنُ عُيَينة يذهَبُ إلى هذا، قال: وهُو مِثلُ قولِهِ في دُعائِهِ: «اللَّهُمَّ! اشدُد وَطأَتَك على مُضَرَ، وابعث عليهم سِنينَ كَسِنِي يُوسُف»، فتتابع القَحطُ عليهم سَبعَ سِنينَ، حتَّى أَكَلُوا القَدَّ والعِظامَ. وتقُولُ في الكلام: اشتَدَّت وَطأةُ السُّلطان على رعيَّتِه، وقد وَطِئَهُم وطئًا ثقيلًا، وَوَطءُ المقيَّد، قال الشَّاعرُ: ووطِئتَنَا وطأً على حنقٍ ... وطء المقيَّد ثابتَ الهرم
والمقيَّد: أثقلُ شيءٍ وطئًا؛ لأنَّهُ يَرسُفُ في قيدِهِ فيضعُ رِجلَيه معًا. والهرمُ: نبتٌ ضعيفٌ، فإذا وطِئَهُ كَسَرَهُ وفتَّه. وهذا المذهبُ بعيدٌ من الاستكراه، قريبٌ من القُلُوب، غير أنِّي لا أَقضِي به على مُرادِ رسُولِ الله - عليه السلام - ... الخ» انتهى. (٢) أخرجه الفاكهي في «أخبار مكَّة» (٣/ ١٩٢ - ط. دار خضر) عقب حديث خولة بنت حكيم.