رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَرَفَ مَا بِي مِنَ الْجُوعِ فَقَالَ: (أَبُو هُرَيْرَةَ؟!).
قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَتَبِعْتُهُ؛ فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْبَيْتَ فَوَجَدَ قَدَحًا (١) فِيهِ لَبَنٌ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: (مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟!) … قَالُوا: أَرْسَلَ بِهِ فُلَانٌ إِلَيْكَ.
فَقَالَ: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ انْطَلِقُ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ (٢)، فَادْعُهُمْ).
فَسَاءَنِي إِرْسَالُهُ إِيَّايَ لِدَعْوَتِهِمْ، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي:
مَا يَفْعَلُ هَذَا اللَّبَنُ مَعَ أَهْلِ الصُّفَّةِ؟!.
وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَنَالَ مِنْهُ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، ثُمَّ أَذْهَبَ إِلَيْهِمْ …
فَأَتَيْتُ أَهْلَ الصُّفَّةِ وَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا، فَلَمَّا جَلَسُوا عِنْدَ رَسُول اللَّهِ قَالَ:
(خُذْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَأَعْطِهِمْ)، فَجَعَلْتُ أُعْطِي الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى إِلَى أَنْ شَرِبُوا جَمِيعًا؛ فَتَاوَلْتُ الْقَدَحَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ مُبْتَسِمًا وَقَالَ: (بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ).
قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: (فَاشْرَبْ)، فَشَرِبْتُ.
ثُمَّ قَالَ: (اشْرَبْ)، فَشَرِبْتُ ..
وَمَا زَالَ يَقُولُ: اشْرَبْ، فَأَشْرَبُ، حَتَّى قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَجِدُ لَهُ مَسَاغًا (٣) … فَأَخَذَ الْإِنَاءَ وَشَرِبَ مِنَ الْفَضْلَةِ …
* * *
(١) القدح: الإناء الذي يشرب منه.
(٢) هم ضيوف الله من فقراء المسلمين ممن لا أهل لهم ولا ولد ولا مال، فكانوا يجلسون على صُفَّةٍ في مسجدِ الرسول ﷺ فَسُمُّوا بأهل الصُّفَّة.
(٣) لا أجدُ له مَسَاغًا: لا أستطيع ابتلاعَه.