وَلَقَدْ عَرَفَ طُلَّابُ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (١) لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَدْرَهُ، فَأَجَلُّوهُ، وَعَظَّمُوهُ لِمَا وَقَرَ (٢) فِي صَدْرِهِ مِنَ الْعِلْمِ.
فَهَا هُوَ ذَا بَحْرُ الْعِلْم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ (٣) يَرَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَدْ هَمَّ بِرُكُوبِ دَابَّتِهِ، فَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُمْسِكُ لَهُ بِرِكَابِهِ، وَيَأْخُذُ بِزِمَامِ دَابَّتِهِ …
فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: دَعْ عَنْكَ يَا بْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا …
فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: أَرِنِي يَدَكَ.
فَأَخْرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَدَهُ لَهُ، فَمَالَ عَلَيْهَا زَيْدٌ وَقَبَّلَهَا، وَقَالَ:
هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِآلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا …
* * *
وَلَمَّا لَحِقَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِجِوَارِ رَبِّهِ؛ بَكَى الْمُسْلِمُونَ بِمَوْتِهِ الْعِلْمَ الَّذِي وُورِيَ مَعَهُ (٤)، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الْيَوْمَ مَاتَ حَبْرُ (٥) هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَعَسَى أَنْ يَجْعَلَ اللهُ فِي ابْنِ عَبَّاسٍ خَلَفًا مِنْهُ.
وَرَثَاهُ شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَثَى نَفْسَهُ مَعَهُ؛ فَقَالَ:
فَمَنْ لِلْقَوَافِي بَعْدَ حَسَّانَ وَابْنِهِ … وَمَنْ لِلْمَعَانِي بَعْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتِ؟! (*)
(١) التَّابعون: هم الرّعيل الأول بعد صَحابة النَّبي ﷺ، وقد قسمهم علماء الحديث إِلَى طبقات، أولهم من لحِقَ الْعشرةَ المبشرين بالجنة وآخرهم من لَقِيَ صغار الصَّحَابة أو من تأخرت وفاتهم .... انظر كتاب "صور من حياة التَّابعين" للمؤلف، الناشر دار الأدب الإسلامي.(٢) وَقَرَ في صدره: استقر في صدره وثبت.(٣) عبد الله بن عباس: انظره ص ١٧٣.(٤) وُورِي معه: دُفنَ معه.(٥) الْحَبْرُ: الْعالم الْمُتَبَحِّرُ في الْعلم.(*) للاستزادة من أخبار زَيْدِ بْن ثَابِتٍ انظر:١ - الإصابة: ١/ ٥٦١ أو "الترجمة": ٢٨٨٠.٢ - الاستيعاب "وبهامش الْإصابة": ١/ ٥٥١.٣ - غاية النّهاية: ١/ ٢٩٦.٤ - صفة الصّفوة: ١/ ٧٠٤.٥ - أسد الْغابة "الترجمة": ١٨٢٤.٦ - تهذيب التّهذيب: ٣/ ٣٩٩.٧ - تقريب التّهذيب: ١/ ٢٧٢.٨ - الطّبقات لابن سعد: "انظر الْفهارس".٩ - المعارف: ٢٦٠.١٠ - حياة الصّحابة: "انظر الْفهارس".١١ - السّيرة لابن هشام: "انظر الْفهارس".١٢ - تاريخ الطبري: "انظر الْفهارس".١٣ - أخبار الْقضاء لوكيع: ١/ ١٠٧ - ١١٠
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.