"الْهَاشِمِيُّ" عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وِقْفَةَ الْعَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاهُ، وَيُمْسِكُ لَهُ رِكَابَهُ، وَيَأْخُذُ بِزِمَامِ دَابَّتِهِ.
فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: دَعْ عَنْكَ يَا بْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا.
فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: أَرِنِي يَدَكَ …
فَأَخْرَجَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَدَهُ، فَمَالَ عَلَيْهَا وَقَبَّلَهَا وَقَالَ:
هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا.
* * *
وَقَدْ دَأَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ حَتَّى بَلَغَ فِيهِ مَبْلَغَا أَدْهَشَ الْفُحُولَ … فَقَالَ فِيهِ مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ أَحَدُ كِبَارِ التَّابِعِينَ (١):
كُنْتُ إِذَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قُلْتُ: أَجْمَلُ النَّاسِ ..
فَإِذَا نَطَقَ قُلْتُ: أَفْصَحُ النَّاسِ …
فَإِذَا تَحَدَّثَ قُلْتُ: أَعْلَمُ النَّاسِ.
* **
وَلَمَّا اكْتَمَلَ لابْنِ عَبَّاسٍ مَا طَمَحَ إِلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ تَحَوَّلَ إِلَى مُعَلِّمٍ يُعَلِّمُ النَّاسَ، فَأَصَبَحَ بَيْتُهُ جَامِعَةً لِلْمُسْلِمِينَ …
نَعَمْ أَصْبَحَ جَامِعَةً بِكُلِّ مَا تَعْنِيهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي عَصْرِنَا الْحَدِيثِ …
وَكُلُّ مَا بَيْنَ جَامِعَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَامِعَاتِنَا مِنْ فَرْقٍ، هُوَ أَنَّ جَامِعَاتِ الْيَوْمِ يُحْشَدُ فِيهَا عَشَرَاتُ الأَسَاتِذَةِ، وَأَحْيَانًا الْمِئَاتُ … أمَّا جَامِعَة ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدْ
(١) التَّابعون: هم الرّعيل الأول بعد صَحابة النَّبي ﷺ، وقد قسمهم علماء الحديث إِلَى طبقات، أولهم من لحِقَ الْعشرةَ المبشرين بالجنة وآخرهم من لَقِيَ صغار الصَّحَابة أو من تأخرت وفاتهم … انظر كتاب "صور من حياة التَّابعين" للمؤلف، النّاشر دار الأدب الإسلامي.