مَضَى مَجْزَأَةُ بْنُ ثَوْرٍ تَحْتَ جُنْحِ الظَّلَامِ مَعَ دَلِيلِهِ الْفَارِسِيِّ، فَأَدْخَلَهُ فِي نَفَقٍ (١) تَحْتَ الْأَرْضِ يَصِلُ بَيْنَ النَّهْرِ وَالْمَدِينَةِ.
فَكَانَ النَّفَقُ يَتَّسِعُ تَارَةً حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنَ الْخَوْضِ فِي مَائِهِ وَهُوَ مَاشٍ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَيَضِيقُ تَارَةً أُخْرَى حَتَّى يَحْمِلَهُ عَلَى السِّبَاحَةِ حَمْلًا.
وَكَانَ يَتَشَعَّبُ وَيَتَعَرَّجُ مَرَّةً، وَيَسْتَقِيمُ مَرَّةً ثَانِيَةً …
وَهَكَذَا حَتَّى بَلَغَ بِهِ الْمَنْفَذَ الَّذِي يَنْفُذُ مِنْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَرَاهُ "الْهُرْمُزَانَ" قَاتِلَ أَخِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي يَتَحَصَّنُ فِيهِ.
فَلَمَّا رَأَى مَجْزَأَةُ "الْهُرْمُزَانَ"، هَمَّ بِأَنْ يُرْدِيَهُ بِسَهْمٍ فِي نَحْرِهِ، لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ تَذَكَّرَ وَصِيَّةَ أَبِي مُوسَى لَهُ بِأَلَّا يُحْدِثَ أَمْرًا، فَكَبَحَ جِمَاحَ (٢) هَذِهِ الرَّغْبَةِ فِي نَفْسِهِ، وَعَادَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ قَبْلَ بُزُوغِ الْفَجْرِ.
* * *
أَعَدَّ أَبُو مُوسَى ثَلَاثَمِائَةٍ مِنْ أَشْجَعِ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ قَلْبًا، وَأَشَدِّهِمْ جَلَدًا وَصَبْرًا، وَأَقْدَرِهِمْ عَلَى الْعَوْمِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مَجْزَأَةَ بْنَ ثَوْرِ وَوَدَّعَهُمْ وَأَوْصَاهُمْ …
وَجَعَلَ التَّكْبِيرَ عَلَامَةً عَلَى دَعْوَةِ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ لاقْتِحَامِ الْمَدِينَةِ.
أَمَرَ مَجْزَأَةُ رِجَالَهُ أَنْ يَتَخَفَّفُوا مِنْ مَلَابِسِهِمْ مَا اسْتَطَاعُوا حَتَّى لَا تَحْمِلَ مِنَ الْمَاءِ مَا يُثْقِلُهُمْ.
وَحَذَّرَهُمْ مِنْ أَنْ يَأْخُذُوا مَعَهُمْ غَيْرَ سُيُوفِهِمْ … وَأَوْصَاهُمْ أَنْ يَشُدُّوهَا عَلَى أَجْسَادِهِمْ تَحْتَ الثِّيَابِ.
(١) النفق: ممر تحت الأرض.(٢) كبح جماح رغبته: رد نفسه عن هَوَاها، ولم يحقق لها رغبتها.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute