والله لست بواجد مثلًا له … في الخافقين مشارقًا ومغاربًا
غلب الكرام فواضلًا وعوارفًا … سبق الأنام فضائلًا ومناقبا
غفر الإله بفضله زلاته … وكساه من حُلل الجِنان جلاببًا
انتهت إليه رئاسة العلم والفتوى في زمانه، فبقي مدَّة حياته بجلالة قدره وعلو شأنه، وانتشر صيته في الأرض ذات الطول والعرض، وأحيى الله به السنة، وأمات به البدعة، (فمدَّة تصدر لتدريس ودرس، ورفع قواعد العلم بعدما اندرس، فصرف شرائف أوقاته للطاعة، وعامة أوقاته للتدريس والإفادة، والبحث والموادعة)(١)، وكان لا يذهب من عمره ساعة إلا وهو مقبل على العبادة مشتغل بالمطالعة.
فأخذ عنه الجم الغفير (والجمع الكثير)(٢)، فصاروا موالي الدَّهر، وأهالي العصر، وقضاة الأمصار، وحماة الدِّيار، (وهداة الدِّين، وشيوخ الإسلام والمسلمين)(٣)، ثم برهة (٤) ابتلي في قضاء البلاد بتدبير مصالح العباد، فكان محمودَ الطريقة، مرضيَّ السِّيرة، في القضاء وإجراء الأحكام، كان شريح الزَّمان أو قاضي إياس قاطع كحسام:
صارت مصابيح الزَّمان خصاله … وغدت علاة قلائد الأيام
شرب العلى قدح العلوم ابن اللبن … حقًّا أبو الحدوى أبو الايتام
متهلل كالشمس يشرق بشره … ويصوب من كفَّيه ذيل غمام
وإذا تصدَّر حاكمًا صادفته … شهمًا صحيح النَّقض والإبرام
ولو شاءَ شقَّ الشعر عند قضائه … بمضاء رأيٍ قاطعٍ كحُسام