صار قاضيًا بالعسكر المنصور بولاية روم إيلي، ومكث فيها ثماني سنين [فبلغت بهمته زمرة العلماء إلى أوج العلاء، وتصاعد شرف العلم بتربيته إلى قبة السماء، ضاها صناديد السلف في التربية والهمَّة وعطائها، وتاه الفرقدان في أن يهتدي بها، فكان فوق سمائها ملك طوائف الفقهاء بأخلاق حساناته وإحسانه، وسلك في سبيل البر معهم طرقًا لم يعهد قبل زمانه.
وبالجملة كانت أيامه من تواريخ الأيام، وصارت في عهده أحوال الأهالي على أحسن النظام] (١)، ثم صار مفتيًا بقسطنطينية، وعين له كل يوم خمسون ومئتا درهم، ومكث في منصب الفتوى كما ذكر آنفًا أكثر من ثلاثين سنة.
فصنف فيها كتاب التفسير المسمَّى بـ "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" في مجلدين ضخمين، وأرسلهما إلى جناب السُّلطان سليمان خان الغازي، بيد تلميذه وختنه المولى الفاضل السيِّد محمَّد النَّقِيب ابن أستاذنا المولى الفاضل السيِّد محمَّد بن عبد القادر، وكان في ذلك الزمان مدرسًا بإحدى المدارس الثمان، فتقبله السُّلطان سليمان الغازي المرحوم بقَبول حسن، وقبله وخرَّ على الذقن، وأنعم عليه إنعامًا كثيرًا، وأضاف إلى وظيفته مئتي درهم، ثم أضاف أيضًا مئة وعطايا سنوية وثياب سنية، وغير ذلك من التحف والهدايا، حتى صارت وظيفته سبعمئة، وعين لولده النجيب سبعين درهمًا.
ثم بعدما مات السُّلطان سليمان خان الغازي أكرمه ابنه السُّلطان سليم خان إكرامًا بالغًا ما بلغ، فعاش ﵀ مدة عمره محترمًا مقبولًا عند الخاص والعام إلى أن استأثر الله تعالى بروحه في سنة اثنتين وثمانين وتسعمئة: