للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المسألة الثانية: في صحة صوم من أغمي عليه وأفاق في لحظة من النهار

فمنهم من قال بعدم صحته، وهو مالك (١).

وقد اضطربت أقوال المالكية اضطرابا كثيرًا في ذلك فقهًا واستدلالًا.

وأنقل إليك نصوصهم وتعليلهم، ثم أبين ما يرد عليها، ولكنها مع اختلافها تدل على عظمة المدرسة المالكية، وحرية الاجتهاد والنظر، وكانت هذه سنتهم إلى القرن الخامس، ثم اضمحلت إلى خليل، ثم انتهت بعده، أو كادت.

جاء في الجامع لمسائل المدونة: "ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أغمى عليه ليلًا في رمضان وقد نوى صوم ذلك اليوم فلم يفق إلا عند المساء، أو بعد ما أضحى لم يجزئه صوم ذلك اليوم ويقضيه.

إنما قال ذلك؛ لأن الإغماء معنى ينافي التكليف فخرج من وجد به أن يكون من أهل النية، فإذا أفاق وجب عليه قضاء ما أغمي عليه فيه، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: أن لا قضاء عليه.

دليلنا أن الإغماء مرض منعه الصوم، فوجب عليه قضاؤه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضًا، أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أيام أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولأنه مسلم عرض له ما منع انعقاد، صومه فلزمه قضاؤه عند زواله، كالحيض.

قال ابن القاسم: وبلغني عن بعض من مضى من أهل العلم أنه قال: من أغمي عليه قبل الفجر فلم يفق إلا بعده لم يجزئه صومه، وهو بخلاف النائم؛ لأنه لو نام قبل الفجر فانتبه عند الغروب أجزأه صومه، ولو كان ذلك إغماء لمرض به لم يجزئه صومه م والفرق بينهما أن النوم أمر لازم لنا، فلو لم يجز


(١) المدونة (١/ ٢٧٦) التاج والإكليل لمختصر خليل (٣/ ٣٤٢).

<<  <   >  >>