ﷺ قالَ لعُمرَ ﵁:«ما آتَاك اللهُ من هذا المالِ وأنتَ غيرُ مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فاقبَلْه»، فندَبَه ﷺ إلى قَبولِ كلِّ ما آتَاه اللهُ من المالِ من جَميعِ وُجوهِه من غيرِ تَخصيصِ وَجهٍ من الوُجوهِ دونَ غيرِه، سِوى ما استَثناه ﷺ، وذلك ما جاءَ من وَجهٍ حَرامٍ عليه، فلا يَحلُّ له قَبولُه، كالذي يَغصِبُ رَجلًا مُسلمًا مالَه ثم يُعطيه بعَينِه آخَرَ، والذي يُعطاه يَعلمُ غَصبَه أو سَرقتَه أو خيانَتَه؛ فإنْ قبِلَه كانَ واجِبًا عليه رَدُّه.
فإنْ قالَ قائِلٌ: فإنْ كانَ الأمرُ كما وصَفتَ من أنَّه لا يَحرُمُ على امرِئٍ قَبولُ عَطيةِ أحدٍ يَجوزُ حُكمُه في مالِه إلا عَطيةً حرَّمَ اللهُ ﷾ قَبولَها، فما وَجهُ فِعلِ مَنْ رَدَّ عَطايا السَّلاطينِ وامتنَعَ من قَبولِ هَدايا الأُمراءِ، وقد ندَبَ ﷺ إلى قَبولِ عَطيةِ كلِّ أحدٍ؟
قيلَ له: إنَّ مَنْ رَدَّ من ذلك شَيئًا فإنَّما كانَ على مَنْ كانَ الأغلَبُ من أمرِه أنَّه لا يَأخذُ المالَ من وَجهِه، فرَأى أنَّ الأسلَمَ لدِينِه والأبرَأَ لعِرضِه تَركُ قَبولِه؛ إذْ كانَ الأمرُ بالقَبولِ غيرَ حَتمٍ واجِبٍ، وإنَّما هو نَدبٌ إلى قَبولِ ما لا شَكَّ في حِلِّه، فإذا كانَ فيه لَبسٌ فالحَقُّ تَركُ قَبولِه، وما لم يَكنْ حَلالًا يَقينًا فلم يَدخلْ في أمرِه ﷺ عُمرَ بقَبولِه، فأحَلَّه مَحلَّ الشُّبهاتِ التي مَنْ واقَعَها لم يُؤمَنْ منه مُواقَعةُ الحَرامِ.
فإنْ قيلَ: فما تَقولُ فيمَن قبِلَ ممَّن لم يَتبيَّنْ من أينَ أخَذَ المالَ ولا فيمَ وضَعَه؟