للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويَجبُ على مَنْ شفَعَ شَفاعةً لآخَرَ فأَهدى له هَديةً أنْ يَردَّها عليه؛ لمَا في حَديثِ أَبي داودَ: «مَنْ شفَعَ لأخيه شَفاعةً فأَهدى له هَديةً فقبِلَها فقد أَتى بابًا عَظيمًا من أَبوابِ الرِّبا» (١).

قالَ ابنُ رَجبٍ في القاعِدةِ الخَمسينَ بعدَ المِئةِ: ومنها الهَديةُ لمَن يَشفعُ له عندَ السُّلطانِ ونَحوِه فلا يَجوزُ، ذكَرَه القاضِي وأومَأَ إليه أحمدُ؛ لأنَّها كالأُجرةِ، والشَّفاعةُ من المَصالحِ العامةِ، فلا يَجوزُ أخذُ الأُجرةِ عليها، ونَصَّ أحمدُ في رِوايةِ صالِحٍ فيمَن عندَه وَديعةٌ فأدَّاها فأُهدِيَت له هَديةٌ أنَّه لا يَقبلُها إلا بنِيةِ المُكافأةِ.

وقالَ أحمدُ: لا يَنبَغي للخاطِبِ إذا خطَبَ لقَومٍ امرأةً أنْ يَقبلَ لهم هَديةً؛ لأنَّ الخاطِبَ كالشَّفيعِ، وهو مَمنوعٌ من قَبولِ الهَديةِ (٢).

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ : ومَتى بُذلَ للعُريانِ إِعارةُ سُترةٍ لزِمَه قَبولُها، كما يَلزمُه قَبولُ الماءِ إذا وُهبَ له والدَّلوِ والحَبلِ إذا أُعيرَه.

وقيلَ: لا يَجبُ عليه قَبولُها كما لا يَلزمُه قَبولُها إذا بُذلَت له هِبةٌ، وكما لا يَلزمُه قَبولُ المالِ في الحَجِّ والكَفاراتِ.

وقد خُرِّجَ وَجهٌ بأنَّه يَلزمُه قَبولُ الهِبةِ؛ لأنَّ العارَ في بَقاءِ عَورتِه مَكشوفةً أكثَرُ من الضَّررِ في المِنةِ التي تَلحقُه لأَشياءَ عندَ مَنْ قالَ من أَصحابِنا بأنَّه


(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٣٥٤١)، والطبراني في «الكبير» (٨/ ٢٣٨، ٧٩٢٨).
(٢) «الفروع» (٤/ ٤٨٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٢، ٣٩٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٧٩، ٣٨١).

<<  <  ج: ص:  >  >>