وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين ﵃ عمومًا في السفر والحضر» (١).
وإذا صلوا عليها سجدوا عليها.
الدليل الرابع:
أن النفل أوسع من الفرض، فإذا جاز للمتنفل في الحضر أن يصلي قاعدًا بلا عذر، والقيام من آكد أركان الصلاة، جاز للراكب والماشي سجود التلاوة في الحضر.
ولأن ذلك لو كان من أحكام السفر لاختص بالسفر الشرعي الذي يبيح القصر والفطر، وقد ذهب جماهير العلماء إلى جواز التنفل على الدابة للراكب والماشي خارج المصر، ولو كان في مسافة لا تقصر فيه الصلاة، وهذا دليل على جوازه في الحضر، حيث لم يخرج عن حكم الحضر، ولم يخالف في ذلك إلا الإمام مالك ﵀.
قال الطبري نقلًا من فتح الباري:«لا أعلم أحدًا وافقه على ذلك، وعلق الحافظ: ولم يُتَّفق على ذلك عنه»(٢).
ولأن العلة في الجواز ليس السفر، وإنما علة الجواز: هو التردد ذهابًا وإيابًا، راكبًا وماشيًا، وهذا المعنى لا يختلف فيه بين الحاضر والمسافر.
ولأن الحكمة الشرعية في جواز ذلك: هو تيسير تحصيل النوافل على العبد حتى لا ينقطع عن قضاء حوائجه بسبب المحافظة على أوراده وطاعاته، أو يحمله ذلك على تركها، والحرمان من الاستكثار من الطاعات، وهذا لا فرق فيه بين السفر وغيره، والله أعلم.
ولأن الإيماء بالسجدة على الدابة خير من ترك السجدة بالكلية، أو ترك قراءة آيتها، لأن نزوله عن الدابة، فيه كلفة وانقطاع عن مقصوده، وقد يخشى على دابته أن تنفلت منه حين كانت وسائل النقل الرواحل، والكلفة نفسها موجودة في النزول من السيارة وقطع السير.
ولأن سجود التلاوة ليس صلاة على الصحيح، حتى يُخرَّج على صلاة النافلة على الدابة، فيشترط له ما يشترط للنافلة، وإذا كان عبادة مستقلة فيمكن الراكب أن يسجد فيها بالإيماء، وهو نوع من الخضوع.
(ث-٧٠٢) وقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، أنه سمع عبد الرحمن الأعرج، يقول:
(١) المحلى (٢/ ١٠٢). (٢) فتح الباري (٢/ ٥٧٥)، وانظر الإشراف لابن المنذر (٢/ ٢٨٢)، الأوسط (٥/ ٢٥٠).