لا نكون قد طرحنا حديث ابن مسعود، ولا فسرناه بما يخالف حديث أبي سعيد، وإنما فسرنا التحري بما يوافق حديث أبي سعيد، والأصل أن الحكم الشرعي في الشك لا يختلف، والحقيقة اللغوية والشرعية، لا تأبى تفسير التحري بالقصد كما سبق، وقد أخذ بذلك جمهور الفقهاء.
وهذا على افتراض أن لفظ التحري محفوظ مرفوعًا.
ولأن حديث أبي سعيد الخدري متفق مع أصول الشريعة، والقواعد العامة، والتي تمنع من تفسير التحري بالأخذ بالظن؛ لأن ذلك يعني الأخذ به مع إمكان الأخذ باليقين، فإذا تيقن أنه صلى ثلاث ركعات، وشك في الرابعة، صار الشك في النقصان كتحققه، ووجب عليه الخروج من العهدة بيقين؛ لأن الأصل في الظهر أنها فرض بيقين أربع ركعات، فالواجب الذي قد ثبت عليه بيقين لا يخرج منه إلا بيقين، وقد أجمع العلماء أن من أيقن بالحدث وشك في الوضوء أن شكه لا يغنيه شيئًا، وأن عليه الوضوء فرضًا، وإذا شك، هل صلى أو لم يصل وجب عليه أن يصلي، ولا يتحرى، وهذا يدلك على أن الشك عندهم ملغى، وأن العمل على اليقين ما أمكن، وهذا أصل كبير في الفقه فتدبره، وقف عليه (١).
يدل على هذا الأصل العظيم:
(ح-٢٦٤٦) ما رواه الشيخان من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عباد بن تميم،
عن عمه: أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا (٢).
ولو شك في عدد الطواف بنى على اليقين، وحكي إجماعًا.
قال مالك في الموطأ:«ومن شك في طوافه بعد ما يركع ركعتي الطواف، فَلْيَعُدْ، فَلْيُتَمِّمْ طوافه على اليقين»(٣).
وقال ابن عبد البر: «لا خلاف فيه بين العلماء أن من شك في طوافه يلزمه البناء
(١) انظر التمهيد (٣/ ٤٤٩). (٢) صحيح البخاري (١٣٧)، وصحيح مسلم (٩٨ - ٣٦١). (٣) الموطأ (١/ ٣٦٨).