ما جاء في المدونة:«قال ابن القاسم: وقال مالك: لم يبلغني أن أحدًا أذن قاعدًا، وأنكر ذلك إنكارًا شديدًا، وقال: إلا من عذر يؤذن لنفسه إذا كان مريضًا»(١).
فكأن مداومة القيام من المؤذنين تجعل ذلك بمنزلة الشرط، فإذا عجز عنه سقطت أهليته، وانتقل الأذان إلى غيره إلا أن يؤذن لنفسه. وهذا الحكم قريب من أصول الشافعية حيث جعلوا القيام في خطبة الجمعة شرطًا في صحتها، لكون النبي ﷺ لم يخطب إلا قائمًا، فمداومة الفعل جعلت ذلك شرطًا.
[م-٤٩] هذا الخلاف في المؤذن يؤذن، ويقيم قاعدًا لعذر، فإن أذن، وأقام قاعدًا من غير عذر، فاختلف العلماء في حكمه:
فقيل: إن أذن لنفسه لم يكره، وإن أذن لغيره كره، وهو مذهب الحنفية (٢).
وقيل: يكره، وهو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة (٣).
وقيل: لا يكره، اختاره أبو الفرج من المالكية، وأبو ثور من الشافعية، وهو
= وتابع وكيعًا أبو عامر العقدي فرواه عن علي بن المبارك به، كما في الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ٢٢). ورواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٧٧) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن بن محمد (هو العبدي) به بنحوه. وهذه متابعة علي بن المبارك. فعلى هذا يكون الحسن بن محمد العبدي قد روى عنه اثنان، فارتفعت جهالة عينه، وهو من التابعين، والكذب فيهم ليس فاشيًا كغيرهم، وقد ذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ١٢٤). وهو يروي حدثًا وقف عليه بنفسه، وليس لفظًا يعتمد على الحفظ والضبط مما قد يدخله الوهم، فيكون صالحًا للاحتجاج، والله أعلم. (١) المدونة (١/ ٥٩)، وانظر إكمال المعلم بشرح فوائد مسلم للقاضي عياض (٢/ ٢٣٩). (٢) الأصل (١/ ١٣١)، بدائع الصنائع (١/ ١٥١)، تبيين الحقائق (١/ ٩٤)، الجوهرة النيرة (١/ ٤٥)، المبسوط (١/ ١٣٢)، تحفة الفقهاء (١/ ١١٢). قال ابن نجيم في الأشباه والنظائر (ص: ١٤١): يكره الأذان قاعدًا إلا لنفسه. اه (٣) فتح العزيز (٣/ ١٧٣)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٢٨)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٩)، لخرشي (١/ ٢٣٢)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ١٩٦)، منح الجليل (١/ ٢٠١).