وقوله ﷺ:«لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب»(١). فقال: جوف ابن آدم. ولم يقل: جوف المؤمن؛ لأن الغالب على بني آدم حب (التكاثر من)(٢) الدنيا؛ فخرج الحديث على الغالب، وأما جوف المؤمن فقد ملئ بحب الله تعالى، فما بقي فيه وسع لغيره. افهم يا من دُهي في عمره وعقله، وقد أنذره الشيب، وصافحته المنايا، وهو لا يترك اللعب والذنوب والخطايا. أما تستحيي ممن يستحيي منك؟ فقد جاء في الحديث عن خير الأنام:«إن الله يستحيي ممن شاب شيبة في الإسلام»(٣).
ما أقبح انتقاش العجوز، ولعب الشيخ؛ لأنهما صارا بذلك مضحكة للشيطان؛ لأنه جاء في الحديث الصَّحيح:«إن للموسوسَيْن شيطانًا يضحك بهم، يقالُ له: الوَلْهان»(٤). فالشيطان يضحك بأهل الوسوسة، أفما يضحك بأهل (٥) المعصية طالما تمرَّغت في مواطن المحن؟ فتمرغ في محابِّ الله، لا تكن كالمرأة المجنونة؛ الذي قد مات ولدها وهي تضحك، وهذا صفة من نكب في طاعة الله ﷿، ويبست أعضاؤه عن فعل الخير وهو لا يتألم، وما ذاك إلا أن الغفلة قد أماتت قلبه؛ لأن الحي يؤلمه نَغْزُ إبرةٍ، ولو قطع الميت بالسيوف لا يتألم.
فعليك أيها المؤمن! بالتوبة ومجالس الحكمة، فإن وسوس لك
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٢٢ (١٢٢٢٨)، والدارمي في «سننه» (٢٧٧٨)، ومسلم في صحيحه (١٠٤٨)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٣٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٢٣٦)؛ من حديث أنس ﵁، بألفاظ متقاربة. (٢) ليست في (ق). (٣) سبق تخريجه. (٤) سبق تخريجه. وهو ضعيف. (٥) في (خ): على أهل.