مأواه، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]، واسمع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ولأن الجهاد مؤقت، وجهاد النفس على الدوام، فإسراع الرجل في صلاته هو من شهوات النفس لكي تتفرغ لحظوظها، ويدل ذلك على قلة المحبة، وهل يطول مجلس إلا مع الحبيب؟
فلو كنت أيها المؤمن! كيِّسًا فطنًا لكانت حقوق الله سبحانه عندك أحظى من (حظوظ نفسك)(١)، ولتركت مرادك لمراد سيدك، فمن أعطى نفسه حظها من المآكل والمشارب حتى يبقى (٢) بيت خلاء، ثم يريد أن يطلع على الأسرار (كيف له بذلك؟)(٣) لا يطلع على الأسرار إلا أمين، هب أنك لم تفعل شيئًا من ذلك، بل أحببت الدنيا ومن أحبها فقد خان؛ ومن خان لا يطلعه الملك على أسراره (٤).
قال ﷺ:«حب الدنيا رأس كل خطيئة»(٥). وفي حديث آخر:«الدنيا سجن المؤمن»(٦). ولم يقل: سجن ابن آدم. فترى المؤمن قد سجن نفسه، واستأنس بربه، وانجمع عليه لا يمشي إلا لحاجة ضرورية أو لصلاة جماعة، أو لشيء يقرِّبه الحق إليه (٧).
(١) في (خ، ط): حظوظك. (٢) في (خ): يتقي. (٣) ليست في (خ). (٤) هذا من كلام الصوفية، حيث يدعون أن ثمرة الاستقامة الاطلاع على الأسرار، ويعنون بذلك المكاشفات والكرامات ومعرفة الغيب، وكل ذلك من تلبيس إبليس. (٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الزهد» (٩)، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٣/ ٢٠٢ عن الحسن مرسلًا، قال الألباني في «الضعيفة» (١٢٢٦): موضوع. (٦) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٢٣ (٨٢٨٩)، ومسلم في «صحيحه» (٢٩٥٦)، وابن ماجه في «سننه» (٤١١٣)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٢٤) من حديث أبي هريرة ﵁. (٧) وتمام الحديث: «وجنة الكافر»، قال النووي ﵀: معناه أن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة، مكلف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم، والراحة الخالصة من النقصان، وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا، مع قلته وتكديره بالمنغصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم، وشقاء الأبد.