للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المقابر، تبكي على فقد ولدها (١).

رأى الشبلي امرأة خلف جنازة وهي تصيح: والله ما لي سواه. فصاح الشبلي: وامصيبتاه إن طردني من ليس لي سواه.

قال المؤلف: خرج بعض أصحابه إلى الجبانة فرأى جارية على قبر سيدتها تبكي، وتحثو التراب على رأسها، وتقول: واسيدتاه. فجلس هو الآخر يحثو التراب على رأسه ويبكي ويقول: واسيداه. لمَّا رآها تبكي على فقدها لمخلوق (٢)؛ بكى هو لفقده للخالق.

ليس التائه من تاه في البرية، التائه من تاه عن سبيل الهدى، وخرج عن طريق خير البرية، وأعظم الناس مقتًا عند الله سبحانه: من جعل نعمه فيه وهو يمحقها في مخالفته ومعاصيه، فترى هؤلاء الفاقدين ما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، فلو أيقظ الله تعالى قلوبهم لكان أحدهم يراقب شمسه لكي لا تغيب، ولأسرع في الأعمال الصالحة التي ترضي الحبيب.

كان شيخنا يقول: موت الولد المدبر نعمة من الله عليه، وراحة لأبويه.

ومن العناء أن يطول عمرك مع الجناية (٣)، فلا الجناية (٤) تفرغ ولا الموت يحجز، أتريد أيها المؤمن! أن تبيع نفسك برخيص، وثمنك الجنة؟! بل لم يكتف لك بالجنة، حتى زادك النظر إلى وجهه الكريم، فانظر إلى هذه المنة؛ قال الله سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].

قال ابن عباس : الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم العظيم (٥).


(١) في (ق): فقيدها.
(٢) في (ق): فقد مخلوق.
(٣) في (خ، ق): الخيانة.
(٤) في (خ): الخيانة. وفي (ق): الحياة.
(٥) أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (٢٠٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٤/ ٣٥٨ من طريق ابن عباس .
وللحديث شواهد كثيرة عن أنس، وأبي بكر، وكعب بن عجرة، وصهيب، وأبي بن كعب، وأبي موسى .

<<  <  ج: ص:  >  >>