وكذلك شهادة الملائكة وشهادة الأعضاء كلها، وكفى بالله شهيدًا، وما كثر (١) الشهود إلا لكثرة (٢) الجحود.
فإن (٣) بعض من خذلهم الله تعالى: ينكرون الأعمال، ويكذبون الشهود، فحينئذٍ يختم على أفواههم؛ ويشهد عليهم أعضاؤهم؛ قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١].
فانظر رحمك الله! كيف انعكس الحال حتى غفل أحدنا عن هذه الأهوال، ومن أحبك نبَّهك، وإذا أبغضك قال: دعوه نائمًا. يا جبريل، أقم فلانًا، وأنم فلانًا … الحديث.
ولو لم ينل العصاة من العقاب سوى بعدهم من الله ﷾ لكفى، فكيف وقد فاتهم نعيم الجنة، ومرافقة النبي المصطفى، واختلاطهم في جهنم مع من سخط الله عليه! فخالف وجفا، واسمعوا قول رب العالمين: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، فهذه الآية خوفت قلوب الصالحين، فكلٌّ منهم باكٍ حزين، والغافل يعصي ويضحك ويزعم أنه من الآمنين.
وأعقل الناس محسن خائف، وأحمق الناس مسيء آمن، هل رأيت صاحب عَمْلة يأمن؟ فكم لك من عملةٍ؟ قال المولى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وقال سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]. وقال المولى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
والثكلى لا يحسن (٤) لها الفرح، فالناس في أعيادهم وهي منطرحة في
(١) في (خ): أكثر. (٢) في (خ): لقوة. (٣) في (ق، ط): قال. (٤) في (خ): يحق.