للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لا تكن الدابة أفقه منك أيها الإنسان، يرجعها إلى مالكها الإحسان، وأنت لا تعرف ما فعل الله معك من الجود والامتنان، فترى الطير مع بهيميته يمسك الصيد، وينتظر مجيء صاحبه، ويرضى لنفسه بالضيق والقيد، فلو فهم قول من قال له: ما الذي أرجعك (إلى القيد) (١)؟ لكان يقول: أرجعني إحسان سيدي. ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدا، فلما تعلم هذا الإحسان أكل ما جرحه من الحيوان، وإن مات قبل أن يدركه الإنسان (٢).

فمن الناس من رجع إلى الله تعالى شوقًا إلى دار القرار، ومنهم من يرجع إلى الله تعالى خوفًا من عذاب النار، ومنهم من أرجعه الإحسان؛ لأنه رأى نفسه لا تترك المخالفة والعصيان، والحق سبحانه لا يقطع عنه الخير والامتنان؛ فاستحيا من الكريم الوهاب، وفي التنزيل: إن من جاء ما غاب، وصار من جملة الأحباب. قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].

سمع بعض الصالحين قارئًا يقرأ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)[الفجر: ٢٧ - ٢٨]، فاستعادها من القارئ وقال: كم أقول لها: ارجعي. فلا ترجع! وصرخ صرخةً، وخرَّ ميتًا.

متى وردت إلى العبد الموارد الإلهية هانت عليه الشدائد، وهدمت ما كان عليه من العوائد؛ لأن الوارد يأتي من حضرة قهار، فما وجد من الأكدار أدمغه وأخرجه من الدار، قال الله سبحانه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨].

واعلم أن ورود الإِمْداد على حسب الاستعداد، وإذا أراد الحق أن يخرج عبده من القطيعة والحيرة عرَّفه كيف يخرج، نسأل الله العظيم أن


(١) ليست في (ق).
(٢) عبارة: (ومن وجد .... يدركه الإنسان) كذا تقرأ في النسخ، وفيها خلل ظاهر، ولعل مراده أن الإحسان قيد يقيِّد صاحبه، مثلما يقيِّد الحيوان المعلَّم عن أكل ما صاده وإن مات قبل أن يأتي صاحبه فيأخذه، والله أعلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>