للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والنفس موجودة، لكن منعنا من الشهود عدم وقوفنا على الحدود، وكثرة اشتغالنا بهذا الوجود؛ لأن العروس لا تجلى على فاجر، والأمر لا يخفى على قادر.

فمن تحققت ذلَّته وهب له الحق نصرته: فينصر القلب على النفس، والعقل على الهوى، والملك على الشيطان، والشرع على الطبع؛ لأن الدولة صارت للقلب، فانصلحت مدينة البدن: إذ تولاها ملك عادل، والناس على دين الملك.

وإذا أراد الله تعالى بعبدٍ خيرًا أصلح قلبه، وجعل الدولة له؛ قال رسول الله : «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهو القلب» (١). اللهم أصلح قلوبنا، واغفر ذنوبنا.

مثل الجوارح كالغنم، والطاعة والمعصية كالمراعي، والقلب كالراعي؛ فإذا أطلقها في الطاعة فقد جنبها المرعى الرديء؛ (فيكون ذلك سبب نجاتها، ومن أطلقها في المعصية فقد سيَّبها في المرعى الرديء) (٢)، فما أسرع هلاكها إلا من رحم الله، ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣].

فمثل الجوارح كالجوارح التي يصطاد بها، فمن أطلق جارحة نفسه على معصية كان كمن أطلق كلبه على خنزير، أو كمن أطلق بازه على جيفة منتنة، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي أنه قال: «كلكم راعٍ وكلكم (٣) مسؤُول عن رعيته» (٤).


(١) سبق تخريجه.
(٢) ليست في (ق).
(٣) في (ق): كل راع.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ١١١ (٥٩٠١)، والبخاري في «صحيحه» (٧١٣٨)، ومسلم في صحيحه (١٨٢٩)، وأبو داود في «سننه» (٢٩٢٨)، والترمذي في «جامعه» (١٧٠٥)، والنسائي في «الكبرى» (٩١٧٣) من حديث ابن عمر .

<<  <  ج: ص:  >  >>