للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

خناق الحية، وهذا حال أهل المراقبة، ولكن يخافون أن يغفلوا عنها فتهلكهم.

الرابع: قومٌ مُنَّ عليهم فقتلوها، فلم يبق لها حركة، فلما مات عدوهم طاب عيشهم، قال المولى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. وأي حياة أطيب ممن قد مات عدوه، فمن قتل نفسه بسيف المجاهدة أحيَى الله قلبه بالطاعة والمشاهدة.

والنفس لا تفارقك أبدًا، والشيطان يفارقك في رمضان؛ لأنه يُغلُّ في شهر رمضان، وقد رأينا من يسرق ويزني ويقتل في رمضان، فهذه المصائب من النفس؛ لأن الشيطان مغلول، قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، وقال : ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)[المائدة: ٣٠].

فمن تغرَّب عن الأوطان وساح في الأرض إلى بلاد الحجاز والسند والهند واليمن وديار مصر والمغرب والشام والروم وعراق العجم ونفسه معه ما رحل؛ لأن المضر معه، والراحل (١) من رحل عن نفسه، يا لها من رحلة ما أبركها؛ توصلك إلى الحبيب، ورحلة النفس هي هجران أخلاقها المشئومة وعاداتها المذمومة.

واختلف أهل الطريق فيمن يخطر له الذنب، ويجاهد نفسه ولم يفعله؛ وآخر لم يخطر له الذنب أيهما أتم؟ قالوا: الأول أتم؛ لأنه جاهد نفسه فهو أكثر أجرًا، والآخر أكثر نورًا.

سئل أبو سليمان الداراني عن الفقير (المتجرد المتوكل، والفقير) (٢) المتسبب أيهما أفضل؟ قال: المتوكل أكثر (٣) نورًا، والمتسبب أكثر أجرًا (٤). ففيهم الفاضل، وفيهم الأفضل، ونعم الله تعالى متفاوتة المراتب.


(١) في (خ): والرجل. وفي (ق): والرحل.
(٢) في (ق): و.
(٣) في (ط): أكبر.
(٤) لم أجده.

<<  <  ج: ص:  >  >>