ممن ظلمهم، ولكن فوَّضوا أمرهم إلى الله تعالى فكان هو المختار لهم، وقومٌ وهي الطبقة العليا وهم الذين إذا ظُلموا رحموا من ظلمهم، قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]، وقال ﷾: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
ومن ذلك ما اتفق لإبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: أن جنديًّا سأله عن العمران، فدلَّه إبراهيم على المقابر، فظن الجندي أن إبراهيم يهزأ به، فضربه بالدبوس فشجه، فطأطأ رأسه وقال: اضرب رأسًا طالما عصت الله. فقيل للجندي: هذا إبراهيم زاهد خراسان. فأقبل على رجليه يقبلها ويعتذر إليه، فقال له إبراهيم: والله ما رفعت يدك إليَّ لتضربني إلا وأنا أسأل الله لك المغفرة؛ لأني علمت أن الله يثيبني على ما فعلت بي، فاستحييت أن يكون حظي منك الخير، وحظك مني الشر (١).
قال بعض الصالحين: آذاني إنسان مرة فضقت بذلك ذرعًا، فنمت، فرأيت قائلًا يقول لي: من علامة الصديقية كثرة أعدائها، ثم لا تبالي بهم (٢).
فقد علم الله ﷾ ما يقال في الأنبياء والأولياء والصالحين والصديقين، فبدأ بنفسه فقضى على قوم بالإعراض عنهم، فنسبوا إليه الزوجة (٣) والولد، وأضافوا لنبيه ﷺ الكذب والسحر والجنون، وأظهروا له العداوة والحسد، وقالوا في أزواجه الطاهرات ما قالوا، فكذَّبهم الواحد
(١) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٣/ ٧٠، والقشيري في «الرسالة القشيرية» ١/ ١١١ بلفظ: أن إبراهيم بن أدهم خرج إلى بعض البراري فاستقبله جندي، فقال: أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة، فضرب رأسه وأوضحه، فلما جاوزه، قيل له: إنه إبراهيم بن أدهم زاهد خراسان. فجاءه يعتذر إليه، قال: إنك لما ضربتني سألت الله تعالى لك الجنة. فقال: لم؟ فقال: علمت أني أؤجر عليه، فلم أرد أن يكون نصيبي منك الخير، ونصيبك مني الشر. (٢) ذكره ابن عجيبة الإدريسي في «البحر المديد» ٢/ ٤١٤ عن أبي الحسن الشاذلي. (٣) في (ق): الروحية. وصوابه هذا: الزوجيَّة.