للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وجعله راعيًا لخيله قال: فطلبت الهروب. قال: فخفت، فصرت أقول (في نفسي) (١): غدًا أهرب، أو بعد غدٍ أهربُ. وإذا برجلٍ دخل عليَّ وسلم وجلس، وقال لي: إن أباك كان يحسن إليَّ، وأنا أريد أعمل معك خيرًا، لا تقل: غدًا أهرب ولا بعد غد. أي وقت هربت أخذوك، فاصبر إلى حيث آتيك. وذهب، ثم جاء بعد أيام وقال لي: إن هربت الساعة نجوت، فتح الله بالطريق. قال: فتركت الخيل في الدشار (٢) وهربت. فكنت أسير في الليل، وأختبئ (٣) بالنهار في المغاير وبين الشجر، (وهذه سنة الهارب عندهم. قال) (٤): وابتليت بالجوع؛ فذهب بصري، وقلَّ سمعي، وارتخت مفاصلي وركبي. قال: فتوجهت نحو القبلة، وتشاهدت (٥) وقلت (في نفسي) (٦): ما بقي بعد هذا إلا الموت. فنمت ورأيت في منامي كأن باب السماء قد فتح،


=وهو صاحب الفتوحات والأخبار والآثار، وكان عبدًا مملوكًا، اشتراه الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار، وبقي عنده، فلما قبض عليه الملك الصالح (نجم الدين أيوب) أخذ بيبرس، فجعله في خاصة خدمه، ثم أعتقه. ولم تزل همته تصعد به حتى كان (أتابك) العساكر بمصر، في أيام الملك (المظفر) قُطُز، وقاتل معه التتار في فلسطين. ثم اتفق مع أمراء الجيش على قتل قطز، فقتلوه، وتولى (بيبرس) سلطنة مصر والشام سنة (٦٥٨ هـ)، وتلقَّب بالملك القاهر، أبي الفتوحات! ثم ترك هذا اللقب وتلقَّب بالملك الظاهر. وكان شجاعًا جبارًا، يباشر الحروب بنفسه. وله الوقائع الهائلة مع التتار والإفرنج الصليبيين، وله الفتوحات العظيمة، منها بلاد النوبة ودنقلة، ولم تفتح قبله مع كثرة غزو الخلفاء والسلاطين لها. وفي أيامه انتقلت الخلافة العباسية إلى الديار المصرية سنة (٦٥٩ هـ)، وآثاره وعمائره وأخباره كثيرة جدًّا. توفي في دمشق ومرقده فيها معروف، أقيمت حوله المكتبة الظاهرية. «الأعلام» للزركلي ٢/ ٧٩.
(١) ليست في (ق).
(٢) أصلها: جشار، ويقال: دشار، تسهيلًا للنطق، وجشار: من الجشر، وجمعه: جشارات، ويقال: جشير أيضًا. وتدل على الخيل والبقر التي تلازم المرعى ولا ترجع إلى الحظيرة بالليل. «تكملة المعاجم العربية» لرينهارت دوزي ٢/ ٢١٥.
(٣) في (ق): أكمن.
(٤) ليست في (ق).
(٥) يعني: تشَهَّدْتُ.
(٦) ليست في (ق).

<<  <  ج: ص:  >  >>