للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولقد قال لمؤلِّف هذا الكتاب رجلٌ معه طرفٌ من العلم: أخبار الصالحين كالجن؛ نسمع بهم ولا نراهم. قال له المؤلف: أنت يا أخي من الصالحين؟ قال: لا. قال (١) له: فأنت مشتاق إليهم؟ قال: لا. (قال فقلت) (٢) له: فأنت لا صالح ولا مشتاق، فكيف تراهم؟ ثم قلت له: قال شيخنا رحمة الله عليه: أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائسَ المجرمون (٣).

قال بعض العلماء: نخاف على من أنكر وجود الأولياء من سوء الخاتمة (٤).


(١) في (خ، ب): قلت.
(٢) في (خ، ب): قلت.
(٣) هذه الكلمة قديمة عند الصوفية، فقد أخرجها القشيري في «رسالته» ٢/ ٤١٨ عن أبي يزيد البسطامي قال: أولياء الله عرائس الله تعالى، ولا يرى العرائس إلا المَحْرَمون [يعني: من كان محرمًا لهم]، فهم مخدَّرون عنده في حجاب الأنس، لا يراهم أحد في الدنيا، ولا في الآخرة.
ويظهر أن مشايخ الصوفية في عصر المؤلف كانوا يرددون هذه الكلمة، ومنهم ابن عطاء الله السكندري، فقد ذكره في «لطائف المنن» ص ٦٨، وصدره بقوله: (فإذا كان أهل الزمن معرضين عن الله، مؤثرين لما سوى الله، لا تنجع فيهم الموعظة، ولا تميلهم إلى الله التذكرة؛ لم يكونوا أهلًا لظهور أولياء الله فيهم، ولذلك قالوا: أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائس المجرمونَ).
وبهذا يتبيَّن أنه يعني بقوله: (قال شيخنا ؛ ابنَ عطاء الله السكندري.
(٤) بل من ينكر وجودهم فليس بمسلم، لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، فأثبت ربنا سبحانه وجود الأولياء، ثم بيَّن صفتهم بأنهم أهل الإيمان والتقوى، ولا يصحُّ إسلامُ أحدٍ إلا بتحقق أصل الإيمان والتقوى فيه، وبهذا يُعلم أن جميع المسلمين في كل زمان ومكان هم أولياء الله ﷿، ثم تتفاوت مراتبهم في منازل الوَلاية ودرجاتها بقدر علمهم وإخلاصهم ونيتهم وقولهم وعملهم، فالإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. لكن الصوفية يريدون أن يخصوا بوصف (الوَلاية) من كان على طريقتهم ومذهبهم المبتدع في الاعتقادات والسلوك، ولا شكَّ أن في ذلك نفيًا لوصف الولاية عمن سواهم من المؤمنين المتقين، كما فيه تفريقًا للأمة=

<<  <  ج: ص:  >  >>