للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أن تكون من اللاحقين، وإلا فكن في آخر الركب، أو اتبع الأثر، ولا تكن من المنقطعين فتخالف الآية والخبر، فإن منَّ عليك بالوصلة كان، وإلا فمُتْ في الطلب فتحشر مع الطالبين، وفي زمرة المشتاقين، فتكون داخلًا في قول رب العالمين: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. فإن لم تصلح لشيء من ذلك فاقعد على الباب، فإن طردوك فاقعد قبالته.

سمع ثلاثةٌ قائلًا يقول: يا زَعتَر، بَرِّي. فتواجدوا على ذلك، فأما أحدهم فكان من الواصلين، والآخر متوسط وقد طالت عليه الطريق، والآخر مبتدئ فأسمعَ الله تعالى كل واحد شيئًا ترويحًا لقلبه: فأما الواصل فسمع: ما أوسعَ بِرِّي. وسمع المتوسط: السَّعَةَ ترَى بِرِّي. وسمع المبتدئ: اسْعَ ترَى بِرِّي. فكان ذلك ترويحًا لقلوبهم، وسمعوا على قدر مشروبهم (١).

كان بعض الصالحين يقول:

والله ما جئتكم زائرًا إلا … وجدت الأرض تطوى لي

ولا انثنى عزمي عن بابكم … إلا تعثرت بأذيالي


(١) أخرج القشيري في «رسالته» ٢/ ٥١٦: عن يحيى بن الرضى العلوي، قال: سمع أبو سلمان الدمشقي طوافًا ينادي: يا سعتر بري. فسقط مغشيًّا عليه، فلما أفاق سئل، فقال: حسبته يقول: اسع تر برِّي!
وقال الغزَّالي في «إحياء علوم الدين» ٢/ ٢٨٢: واجتازَ بعضُهم في السوق فسمع قائلًا يقول: يا سعتر بري. فغلبه الوجد، فقيل له: على ماذا كان وجدك؟ فقال: سمعته كأنه يقول: اسع ترى برِّي.
وقال الزبيدي في «إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين» ٦/ ٥٠٩: رأيتُ في كتاب «المُرْقِي في مناقب سيدي محمد الشَّرْقي» تأليف: عبد الخالق بن محمد بن أحمد بن عبد القادر ابن سيدي محمد الشرقي، ما نصُّه: كان رجل في زقاق مصر يبيع ويقول: يا سعتر بَرِّي! ففهم منه ثلاثة من العبَّاد، الأول من أهل البداية: اسع ترَ برِّي. أي اجتهد في طاعتي ترى مواهب كرامتي. والثاني متوسط، ففهم: يا سعةَ برِّي. أي: ما أوسع معروفي وإحساني لمن أحبني وأطاعني. والثالث: من أهل النهاية، ففهم: الساعةَ ترى برِّي. أي الفتح جاء آياته، فتواجدوا جميعًا. انتهى.

<<  <  ج: ص:  >  >>