خدمته واقفون، فهم في الشدة صابرون، وفي النعمة شاكرون، وفي الصلاة خاشعون، وعن اللغو معرضون، ومن خشيته مشفقون، ومن هيبته مطرقون، ولعظيم كبريائه متواضعون إلى الله سبحانه افتقارهم، وبه افتخارهم، وعليه اعتمادهم، فلما أعرضوا عن غيره؛ أقبل عليهم وجعلهم للعبودية أهلًا، فهو وليهم، وسيدهم، وناصرهم وعزهم، وذخرهم وفخرهم، ومعبودهم ومقصودهم، ومعلومهم ومدبرهم، وما خاب عبد كان الله له مدبرًا، ولا خذل قطُّ من كان له منتصرًا ما عرف الله سبحانه من لم يفوض أمره إليه، ولقد جهله من لم يتوكل (في جميع أموره)(١) عليه، لا تجتمع عبودية واختيار (٢)، ولا ظلم وأنوار، ولا توجه العبد لله وتوجهه للآثار، فإما الله لك، أو أنت لنفسك، فاختر على بيان، ولا تستبدل (٣) الهدى بالخسران.
العجب كل العجب لمن يهرب مما لا انفكاك له عنه، ويطلب ما لا بقاء معه؛ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، ولا ترحل من كون إلى كون، فمن رحل والمُضِرُّ معه ما رحل، فتكون كحمار الرحى يسير؛ والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل عنه، ولكن ارحل من الكون إلى المكون، وإلى ربك المنتهى، واسمع قوله ﷺ:«فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»(٤)» افهم قوله ﷺ: «فهجرته إلى ما هاجر إليه». وتأمل هذا الأمر إن كنت من ذوي الأفهام، واعمل على الرجوع إلى الملك العلام، فإن فاتك مقام السابقين فعسى
(١) ليست في (ق). (٢) في (خ): ولا اختيار. (٣) في (ق): تستند إلى. (٤) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٢٨)، وأحمد في «مسنده» ١/ ٢٥ (١٦٨)، والبخاري في «صحيحه» (١)، ومسلم في «صحيحه» (١٩٠٧)، وأبو داود في «سننه» (٢٢٠١)، وابن ماجه في «سننه» (٤٢٢٧)، والترمذي في «جامعه» (١٦٤٧)، والنسائي في «المجتبى» ١/ ٥٨ (٧٥)، وفي «الكبرى» (٧٨) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.