للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من لقيته عواصف الشوق أسرعت به إلى منازل الحبيب، ومن عرف الحق سبحانه شاهده في كل شيء، ومن فنى به غاب عن كل شيء، ومن أحبه لم يؤثر عليه شيئًا، إنما حجب الحق سبحانه عنك شدة قربه منك، فاحتجب لشدة ظهوره، واحتجب عن الأبصار لعظيم نوره.

كان بعض الصالحين ينشد:

ليلي بوجهك مشرق … وظلامه في الكون سار

فالناس في سدف الظلام … ونحن في ضوء النهار

فإذا أردت أيها المؤمن! أن تعرف قدرك عند الله سبحانه، فانظر (ماذا يقيمك فيه) (١)، فإن رزقك الطاعة والغنى به عنها؛ فقد أسبغ نعمه عليكَ،

وليس العارفُ من إذا أشار وجد الحقَّ أقرب من إشارته؛ بل العارف من لا إشارة له؛ لفنائه في وجوده، وانطوائه في شهوده (٢).

والحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامة الاغترار، والرجاء ما قاربه عمل، وإلا فهو أمنية، ويخاف على من يقول: إني لأرجو الله سبحانه وأخافه، وأظن به خيرًا. وهو لا يجتهد في الأعمال الصالحات (٣)، (ونفسه غادية في جهلها ورائحة) (٤)، فيقال له: كذبت، لو كنت صادقًا فيما ادعيت، لجرَّك ذلك إلى أعمال الصالحين: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)[فصلت: ٢٣].

ومثل هذا كمثل من يدعي المحبة؛ وهو على الدوام يخالف ربه، وقد


(١) في (خ): في ماذا يقيمك.
(٢) في (ق): وجوده.
وراجع تحقيق القول في مسألة الفناء كتاب: «الرد على الشاذلي في حزبَيْه، وما صنَّفه في آداب الطريق» لشيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية .
(٣) في (خ): الصالحة.
(٤) ليست في (ق).

<<  <  ج: ص:  >  >>