وقال شيخُنا ﵀ مرةً شيئًا غريبًا حتى أطرَب السامعين، وأخرق عقولَهم، ولقد رأيتُ في مجلسه من حُمِلَ (في كساءٍ)(١) إلى بيته، فلمَّا تكلم وفرغ، قال بعض الفقراء: يا سيدي! هذا الكلام الذي قلتَه لم أسمعه منك، بل من الله تعالى! فقال الشيخ عن نفسه: اذهب بهذه القفَّة (٢) العظام من الوسط، فالمتكلم هو الله تعالى جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤه! وكان ﵁ يقول:
لقد ظهرتَ فلا تخفى على أحدٍ … إلا على أكمهٍ لا يعرف القمرا
ثم استترتَ عن الأبصار يا صمدُ … فكيف يعرف من بالعزَّة استترا (٣)
= وغير ذلك. وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعًا من تلبسه بشيء من النقائص احترامًا لهم، واستحياء منهم؛ فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعًا عليه في سره وعلانيته؟! (١) من (خ). (٢) قال في «المصباح المنير»: القفة القرعة اليابسة، والقفة ما يتخذ من خوص كهيئة القرعة، تضع فيه المرأة القطن ونحوه، وجمعها قفف، مثل: غرفة وغرف، والقف ما ارتفع من الأرض وغلظ، وهو دون الجبل، والجمع قفاف. قلتُ: الظاهر أنه أراد إسقاط الواسطة، وهو نفسه، فادعى أن المتكلم هو الله ﷿، تعالى الله عن قوله علوًّا كبيرًا. (٣) ذكر ابن الملقِّن في «طبقات الأولياء» ٥١٧: الشيخ داود بن عمر بن ماخلا الكهاري السكندري المالكي، صحب تاج الدين ابن عطاء الله وشرح «حزب البحر»، فكان يتمثَّل بقوله: .. فذكر البيتين، وعنده: (وكيف يظهر). وقال الغزالي في «إحياء علوم الدين» ٤/ ٣٢٢: فالناس في طلبهم معرفة الله كالمدهوش الذي يضرب به المثل إذا كان راكبًا لحماره وهو يطلب حماره، والجليات إذا صارت مطلوبة صارت معتاصة، فهذا سرُّ هذا الأمر فليحقق، ولذلك قيل: فقد ظهرتَ فما تخفى على أحدٍ إلا على أكمه لا يعرف القمرا لكن بطنت بما أظهرت محتجبًا فكيف يعرف من بالعرف قد سترا قلتُ: يتبيَّن لنا من نقل ابن الملقِّن أن داود بن عمر كان يتمثَّل بقول شيخه ابن عطاء الله، وهذا عمَّن قبله من الصوفية، فابن عطاء هو صاحب القصة التي ذكرها المؤلف، ووصفه بقوله: (شيخنا)، وقد تبيَّن لنا في غير ما موضع أنه إذا قال هذه الكلمة فمراده شيخه ابن عطاء الله الصوفي. (ت)