هو الذي لا يرى الظاهر. فسكت القاضي، فقال رجل من الفقهاء: كيف رأيته؟ قال الشيخ: الأحمق هو الذي يكيِّفُ. فقام القاضي وقبَّل يدَ الشَّيخ وشيَّعه (١).
وقد جاء في الحديث الصحيح:«الإحسانُ أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنه يراك»(٢).
(١) لم نقف على هذه القصة، وهي من الحكايات التي وقعت للمؤلف سماعًا، وما حصل لهذا الشيخ الصوفي إنما كان من تلبيس إبليس، فقد ألقى إليه أولًا أنه يرى الله ﷿، ثم ألقى إليه ثانيًا ما يجيب به القاضي. وقد قالت عائشة ﵂ كما في صحيح مسلم (٢٨٧): «من زعم أن محمدًا ﷺ رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفريةَ، أو لم تسمع أن الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]، أو لم تسمع أن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ [الشورى: ٥١]. فكيف بمن أثبت هذا لغير النبي الكريم ﷺ؟! (٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٢٨ (١٨٤)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (٢٦)، ومسلم في «صحيحه» (١)، وأبو داود في «سننه» (٤٦٩٥)، وابن ماجه في «سننه» (٦٣)، والترمذي في «جامعه» (٢٦١٠)، والنسائي في «المجتبى» ٨/ ٩٧ (٤٩٩٠)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٥٠٤) من حديث عمر بن الخطاب ﵁ في سؤال جبريل للنبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان. وأخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (١٣) من حديث أبي هريرة ﵁. قلتُ: وليس في هذا الحديث ما يمكن أن يستشهد به للقصة السابقة، فإنه ﷺ قال: «كأنك تراه»، ولم يقل: «تراه» أو: «ستراه» أو: «لتراه»، ثم بيَّن انتفاء الرؤية بقوله: «فإن لم تكن تراه»، وهذا هو الواقع، فصار المراد من الكلام تقريب المعنى وتأكيده، قال النووي ﵀: هذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ، لأنا لو قدَّرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه ﷾ لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها؛ إلا أتى به، فقال ﷺ: اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان، فإن التتميم المذكور في حال العيان إنَّما كان لعلم العبد باطلاع الله ﷾ عليه، فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال، للطلاع عليه، وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه، فمقصود الكلام: الحثُّ على الإخلاص في العبادة، ومراقبة العبد ربه ﵎ في إتمام الخشوع، والخضوع،=