قال المؤلف: رأيت رجلًا قد وَلِهَ (١) بحب الله تعالى، لا يزال يقول: لا إله إلا الله. ملء رأسه، ولا كان يسعه إلا رؤوس الجبال، فإذا أذن المؤذن العصر دخل الخليل (٢) وصلى مع المسلمين، وجلس ينتظر سماط الخليل (٣)﵇، وما كان له شيء من الدنيا غير الرَّغيفين اللذين
= الجريري يقول: كان بين أَصحابنا رجلٌ يُكثر أَنْ يقول: الله! الله! فوقع يومًا عَلَى رأسه جذع، فانشج رأسه، وسقط الدم، فاكتتب على الأَرض: الله! الله! قلتُ: وذكر الله تعالى بالاسم المفرد: (الله)، طريقة مبتدعة لا أصل لها في الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح، فالواجب ذكر الله ﷿ بالدعاء والاستغاثة والتسبيح والحمد والشكر والثناء الجميل ونحو ذلك من المعاني التي دلت عليها الأدعية المأثورة. (ت) (١) الوَلَهُ: الحزن وقيل هو ذهاب العقل والتحير من شدَّة الوجد. انظر «لسان العرب»: وله. (٢) يريد المسجد الذي ينسب إلى إبراهيم ﵊ ويُعرف بالحرم الإبراهيمي وما هو بحرمٍ، إذا لا حرم إلا حرمُ مكة وحرم المدينة وهو أقدم مساجد مدينة الخليل في فلسطين، وقد جرى فيه المسلمون على سننن من قبلهم من اليهود والنصارى في اعتقادهم أنَّ في ذلك الموضع قبرُ إبراهيم ﷺ. (٣) السِّماطُ: ما يمدُّ ليوضع عليه الطعام في المآدب ونحوها. وتدل النصوص التاريخية على أن بعض المسلمين ابتدعوا في الخليل إطعامًا منتظمًا للفقراء، وجعلوا ذلك باسم سماط إبراهيم الخليل ﷺ. قال ابن الحاج في «المدخل» ٤/ ٢٤٦ وقد ذكر زيارة الخليل، ولم يوفَّق إلى إنكارها!: وليحذر مما يقوله بعضهم عن العدس الذي يفرقونه فيه هذه: ضيافة الخليل ﵊! فيفردونه بالذكر، فقد يوهم ذلك أن ضيافته ﵊ كانت بالعدس، ليس إلا، وكانت ضيافته ﵇ بذبح البقر، وهذا لفظ ينبغي أن ينهى عنه قائله، وقد شاع هذا في غير ذلك الموضع من البلاد، تسمعهم ينادون على العدس المطبوخ في الأسواق: عدس الخليل! عدس الخليل! قال الله ﷿ في كتابه العزيز: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦]، وإذا فعل ذلك في حق نفسه فيتعيَّن عليه أن ينصح إخوانه المسلمين، ممن يعلم أنه يقبل منه نصيحته، وإلا فليعتزلهم، وإلا فعليه بخاصة نفسه. وقال ابن القيم في «زاد المعاد» ٤/ ٣١٦ في سياق كلامه عن العدس: وأما ما يظنه الجهال أنه كان سماط الخليل الذي يقدمه لأضيافه؛ فكذب مفترى، وإنما حكى الله عنه الضيافة بالشواء، وهو العجل الحنيذ. =