للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

انظر رحمك الله! إلى أحوال هؤلاء النسوة، كيف آنسهم الحق به فاستوحشوا من غيره، قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقد تعطى المرأة ويحرم الرجل، وقد يصيب العبد ويخطئ السيد.

خرج بعضهم من الإسكندرية وعبده خلفه، فجلس السيد على مصطبة وأمر عبده بأن يأتي بحاجة نسيها، وكان قد كشف لبعض الأولياء، فرأى علمًا من نور فوق رأس السيد وعبده ولم يعلم لمن هو، فلما ولى العبد ذهب النور معه (١).

قال المولى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤]. وقال المولى الغفور: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. وقد يناله الصغير ويحرم الكبير.

كان أمير البلدة على باب حاتم الأصم، فطلب ماءً فجاؤوا له بماء بارد، فرمى لهم شيئًا من الدنيا، فوافقه أصحابه، ففرح من في البيت، وكان لحاتم ابنة فبكت، فقيل لها: ما بالك تبكي؟ فقالت: هذا مخلوق أقبل علينا فاستغنينا به، فكيف لو أقبل الخالق علينا (٢).

وقالت رابعة يومًا: من يدلنا على محبوبنا؟ فقالت جاريتها: هو معنا، لكن حَجَبَنا عنه حب الدنيا (٣).

وقد قلت ما اتفق لهؤلاء النسوة والجواري والأطفال؛ ليعلم الجاهل أن الله سبحانه يختص برحمته من يشاء، وتوبيخًا لكثير من الرجال، ولمن يدعي الأهلية وقد شغل بالدنيا والأماني والمحال، ولم يخف من شديد المحال، فمن تفرغ من حب الدنيا وهمومها؛ أقامه الحق بين يديه، ونظر بعين كرمه إليه. قال بعض المحبين:

قلبٌ أحب سواك لا نال المنى … وجنت عليه يد الصدود بما جنى


(١) لم أجده.
(٢) ذكره ابن الجوزي في «صفوة الصفوة» (١٠٢٨).
(٣) لم أجده.

<<  <  ج: ص:  >  >>