قال سعيد المقدسي وكان من الأولياء -: خرجت من المسجد الأقصى طالبًا السياحة، فلما صرت بين الجبال رأيت امرأةً عليها ثوب من شعر وخمار من صوف، فظننت أنها راهبة، فقلت لها: أنت مسلمة؟ فقالت: يا سعيد ما هذا الكلام؟ فقلت لها: ما الذي أخرجك إلى هذا المكان؟ قالت: خوف القطيعة والأحزان. ثم رفعت طرفها إلى السماء، وقالت منشدة:
يا سروري إذا عدمت سروري … أنت في سر خاطري وضميري
أنت أنت الرجاء جُد لي بعفوٍ … وأجرني من حر نار السعير
ثم قالت: لا اعتراض عليك، اللَّهم إن كان عذابي من رضاك فعذِّب، وإن كان العفو أحب إليك فاعف. قال: فسألتها عن مسكنها رغبةً في زيارتها. فقالت: ما لي على الأرض دار، ولا لي فيها قرار. ولو وجدت سبيلًا إلى الخروج منها ما أقمت فيها فلا خير في دار لا تدوم لذتها. فقلت لها: أوصيني بشيء أنتفع به. فقالت: يا سعيد، إن أمكنك أن تخطو إلى الآخرة خطوة فافعل، وإن نالك في ذلك مشقة، فما تُنال الدرجات إلا بالصبر على المشقات. يا سعيد، ورد في الخبر أن نبينا محمدًا ﷺ دخل على فاطمة ﵂، فوجدها تطحن، فلما رأته بكت، فقال لها: يا فاطمة ما يُنال ما عند الله إلا بالصبر على المكاره (١). ثم قالت: يا سعيد، لو باشرت الآخرة بقلبك لهان عليك ما ترى من أمور الدنيا، يا سعيد، عليك بمحبة الله والخوف من قطيعته. ثم ولت وهي تقول:
يا من به وبفضله … طاب النعيم لأهله
(١) أخرجه ابن الأعرابي في «معجمه» (٤٤٥)، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ٢٣٣، والسيوطي في «الدر المنثور» ٨/ ٥٤٣ من حديث جابر قال: دخل رسول الله ﷺ على فاطمة وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من أجلة الإبل، فلما نظر إليها بكى وقال: «يا فاطمة تعجلي مرارة الدنيا بنعيم الآخرة». قال العراقي في «تخريج الإحياء»: أخرجه أبو بكر ابن لال في «مكارم الأخلاق» بإسناد ضعيف.