تورَّمت قدماه (١). وجاهد في سبيل الله تعالى وما بخلت قط يداه (٢).
قال أبو سليمان الداراني: سمعت الرَّبيع يقول: كنت مقيمًا ببيت المقدس أجمع المباحات من الجبال، وكان لي أخوان بالرملة أزورهما في كل عام مرتين، فلما كان في بعض السنين خرجت لزيارتهما، فلمَّا صرت بين الجبال والأودية على ثلاثة أميال من بيت المقدس سمعت صوتًا محزونًا، وهو يقول: ما أبعدَ الطريق على من لم تكن أنت دليله، وأوحشها على من لم تكن أنت أنيسه. فقفوت الصوت واتبعت أثره، وإذا أنا بجارية وعليها خمار من صوف ومدرعة من شعر، وفي رجليها نعل من ليف، فقلت: سبحان الله، مثلك في هذا المكان بغير مَحرم! فقالت: ما أحب من يشغلني عن طاعة ربي. قال: فَرقَّ لها قَلبِي، وكان معي دريهمات فقسمتها شطرين وناولتها أحدهما، فلما رأت لمعان الدراهم تبسمت، وقالت: يا أبا الربيع، من أين لك هذه الدراهم؟ فقلت لها: إني أجمع المباحات من جبال بيت المقدس وأبيعها في المدينة. فقالت: كسب حلال لرجل ضعيف. فقلت لها: كيف تصفيني بالضعف وأنا قوي البدن؟ فقالت: أنت ضعيف اليقين لا ضعيف البدن. فقلت: فكيف السبيل إلى القوة؟ فقالت: تضع موازين القسط على جوارحك حتى يخرج كل شيء كان لغير الله، ويبقى القلب صافيًا، فيطَّلع الحق عليه فلا يرى فيه مذكورًا ولا محبوبًا سواه؛ وإذا كنت كذلك نوديت: قف بالباب، فقد كتبناك من الأحباب، وأمرنا الخزان أن لا يعصوا لك أمرًا. قلت: فما بيان ذلك؟ فقبضت كفها في الهوى، وفتحتها ووضعت في كفي دنانير. فقلت: سبحان الله ما أحسنه من كفٍّ! فسمعت قائلًا يقول:
(١) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٧٥٩)، وأحمد في «مسنده» ٤/ ٢٥١ (١٨١٩٨)، والبخاري في «صحيحه» (١١٣٠)، ومسلم في صحيحه (٢٨١٩)، وابن ماجه في «سننه» (١٤١٩)، والترمذي في «جامعه» (٤١٢)، والنسائي في «المجتبى» ٣/ ٢١٩ (١٦٤٤)، وفي «الكبرى» (١٣٢٥)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١١٨٣). (٢) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢٣١٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٥٠٢) من حديث أنس: أنَّ رجلًا سأل النبيَّ ﷺ غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه؛ فأتى قومه فقال: أي قوم، أسلموا فوالله إنَّ محمدًا ليعطي عطاءً ما يخاف الفقر.